(الأمر الثاني) اعلم رحمك الله تعالى ووفقك لهداه وما يرضيه أنه إما أن تكون صورة السبب مؤثرة في الحكم بمعنى أن لا يفهم المراد بالحكم إلا بعد معرفة السبب وإما لا ، فإن كانت صورة السبب مؤثرة في الحكم فإنه لا ينبغي إفراد الحكم عن صورة سببه ويكون خاصًا بها ولا يتعلق بغيرها ، وأعني بصورة السبب أي الحال التي بسببها نزل الحكم ، لا أعني أفرادها ، وإنما حالة أفرادها وعلى ذلك أمثلة تبين لك ما أردت إثباته فإني لم أره في كتب الأصوليين إلا نادرًا ، فأقول:
المثال الأول: الصوم في السفر ، فإنه قد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صام في السفر وأجاز الصيام في السفر ، ففي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -:"أأصوم في السفر"- وكان كثير الصيام - فقال: (( إن شئت فصم وإن شئت فأفطر ) )فأجاز له الصيام .
وفي الصحيح أيضًا عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال:"كنا نسافر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم"، وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال:"خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شهر رمضان في حرٍ شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعبد الله بن رواحة"وهذا مع إخباره بشدة الحر ومع ذلك فقد صام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعبد الله بن رواحة ، وهذه الأحاديث كما ترى ليس فيها إنكار منه - صلى الله عليه وسلم - على الصيام في السفر .