الصفحة 175 من 492

فأي حكم بلفظ عام كانت صورة سببه هي المؤثرة في نزوله فإنه يناط بها ولا يتعداها إلى غيرها ، فإن قلت: فهل هذا ينافي قولنا: العبرة بعموم اللفظ ، قلت: لا ينافيها أبدًا ، لكن أيضًا لا يتجاوز بها صورة السبب ، هذا إذا كانت صورة السبب لها تأثير في ورود الحكم ، أما إذا كان الحكم قد قرر في مناسبات متعددة ، ثم قرر مرةً أخرى بعد سبب خاص ، ففي هذه الحالة فالعبرة بعموم لفظه مطلقًا أي لا يقصر على صورة سببه ، وذلك كقوله - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن بئر بضاعة وأنها يلقى فيها الحيض ولحوم الكلام والنتن فقال: (( إن الماء طهور لا ينجسه شيء ) )فهذا الحكم عام مطلقًا ولا يخص ببئر بضاعة بل ولا بغيرها من الآبار المماثلة لها ، لأن طهورية الماء قد قررت في مناسبات متعددة ، فمن ذلك قوله تعالى: { وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا } ، وقال: { وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ } ، وفي حديث أبي أمامة:"الماء طهور لا ينجسه شيء"، وفي حديث ابن عمر:"إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث"، ففي مناسباتٍ كثيرة يقرر الشارع طهورية الماء ، إذًا ليس الحكم خاصًا ببئر بضاعة ، وسببها ليس مؤثرًا في ورود الحكم ، فهنا يكون الحكم دليلًا على غير صورة السبب ، فيكون دليلًا على طهارة الآبار والعيون والأنهار والبحار والمستنقعات الصغيرة والكبيرة وهكذا ، مع أنه ورد في بئر بضاعة لكن هو عام فيها وفي غيرها من سائر أنواع المياه وهكذا ، وعلى كل حال فالحكم إذا ورد على سببٍ خاص فلا يخلو إما أن تكون صورة السبب هي المؤثرة في ورود الحكم وإما لا ، فإن كان الأول فيكون العموم معتبرًا في صورة السبب فقط ، وإن كان الثاني فيكون العموم في مسمى اللفظ ، والله يتولانا وإياك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت