إذا علمت هذا فاعلم - وفقك الله - أن الصواب الذي دلت عليه الأدلة هو أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وإذا قلنا العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فنعني أن غير أفراد السبب دخل معهم بمقتضى اللفظ العام لا بالقياس ، والدليل على ذلك عدة أمور:
من الأدلة: أن العبرة إنما هي بلفظ الشارع ، فلفظه هو الحجة لا غيره ، فإذا كان عامًا فإنه يجب إبقاؤه على عمومه ولا يخص بسببه ، لأن الحجة في لفظه لا في مجرد الأسباب .
ومن الأدلة أيضًا: أن بلاغة الشارع وفصاحته تأبى أن يريد السبب المخصوص ويعبر عنه باللفظ العام ، فهو إذًا لم يعبر عن هذا السبب الخاص باللفظ العام إلا لإرادة التعميم ، إذ لو كان يريده بعينه دون غيره لعبر عنه بلفظٍ خاص ، لكن لما عدل عنه إلى لفظٍ عنه دل على أنه يريد العموم ، فالعبرة إذًا بمراد الشارع لا بمراد غيره .
ومن الأدلة أيضًا: أن الشريعة الإسلامية عامة صالحة لكل زمانٍ ومكان ، والوحي انقطع بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلو قلنا إن العبرة بخصوص السبب لتعطلت وقائع كثيرة عن الأحكام وهذا فيه إبطال لكمال هذه الشريعة ، وذلك لأن من أوجه كمالها أن الشارع ينزل حكمه بعد واقعةٍ ليبين للناس أن حكمه في هذه الواقعة هو هذا الحكم ، حتى إذا وقعت واقعة مثلها فإذا الحكم قد تقرر في الأذهان وهذا لا يتأتى إلا إذا قلنا بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .