الصفحة 182 من 492

وقالوا أيضًا: لو أن السبب لا تأثير له في الحكم ، فلماذا يتأخر الحكم إلى وقوع السبب ولكان نزل قبل الحاجة إليه ، ولكن لما تأخر إلى حدوث الواقعة ثم نزل فهذا التأخير مشعر بارتباطه بالسبب .

قلنا: وهذا أيضًا كلام لا تحقيق فيه إذ هو من باب التحكم على الله في شرعه لماذا يؤخر ؟ لماذا يقدم ؟ فإن أمر تشريع الأحكام هو لله وحده يقدم منها ما يشاء ويؤخر ما يشاء { لا يُسْئلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئلُونَ } ولو فتحنا هذا الباب لاضطرب الأمر وكثر التجرؤ على أحكام الله والقدح في حكمته وعدله ، ثم أضف إلى هذا أن من حكمة الله تعالى أنه يؤخر الحكم إلى وقوع الحاجة إليه ليكون ذلك أوقع في النفس وأوضح للفهم فإذًا جميع ما استدلوا به على قولهم كما ترى (لو أن ، ولماذا ، ويلزم عليه ) وكل ذلك لا يفيد شيئًا ، وأما القول الراجح فقد دلت عليه الأدلة الواضحة الناصعة من الكتاب والسنة والعقل الصريح واللغة العربية والإجماع فلا يشك عاقل في رجحانه ولله الحمد والمنة وهو أعلى وأعلم .

ولم يبق إلا أن يشار إلى شيء من الفروع التي تزيد الوضوح وتبين لك أثر هذه القاعدة في الفروع فأقول:

منها: في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ على صبرة طعامٍ فأدخل يده فيها فأصابت أصابعه بللًا فقال: (( ما هذا يا صحاب الطعام ؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله ، فقال: أفلا جعلته فوق الطعام ليراه الناس من غش فليس منا ) )وهذا الحكم عام لأنه ورد بصيغة (من) وهو الشرطية وأسماء الشرط من صيغ العموم ، وقد قيل على سببٍ خاص وهو الغش في البيع لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فيستدل به على تحريم الغش في الامتحانات والعقارات والنصيحة وغيرها ، بل هذا الكلام منه - صلى الله عليه وسلم - قاعدة عامة في جميع أنواع الغش ، فهو حرام بسائر أنواعه في جميع المجالات لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت