ومنها: اختلف العلماء في الدباغ هل هو مطهر لجلد الميتة أو لا ؟ أو لا يطهر إلا جلد المأكول دون غيره ؟ والنقاش الآن مع الذين قالوا لا يطهر بالدباغ إلا جلد المأكول فقط فاستدلوا على ذلك بحديث ابن عباسٍ قال (( تُصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت فمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم يجرونها فقال: هلاّ أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به ؟ فقالوا إنها ميتة ، قال: يطهرها الماء والقرظ ) )فهذا الحكم العام ورد على سبب خاص وهو شاة ميمونة والشاة مما يؤكل لحمها فيقصر الحكم على سببه الخاص ولا يتعداه إلى غيره ، وفي لفظٍ لأحمد (( أن داجنًا لميمونة ماتت فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ألا انتفعتم بإهابها ألا دبغتموه فإنه ذكاته ) )ولذلك قال الإمام مجد الدين في المنتقى:"وهذا تنبيه على أن الدباغ إنما يعمل فيما تعمل فيه الذكاة"اهـ . واختاره حفيده أبو العباس - رحمه الله - وهو رواية عن أحمد وليست هي المشهورة في المذهب ، وذهب بعض العلماء إلا أن الدباغ مطهر لجلد جميع الحيوانات الطاهرة في الحياة مأكولة أو غير مأكولة ، وهو رواية في المذهب واستدلوا بأدلة كثيرة جدًا وأجابوا عن استدلال أصحاب القول الأول بأن الحكم عام وإن نزل على سببٍ خاص إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فلما قالوا (( إنها ميتة ) )قال - صلى الله عليه وسلم -: (( يطهرها الماء والقرظ ) )فهذا الحكم المعتبر فيه عمومه بدليل أنه - صلى الله عليه وسلم - حكم بطهارة جلود الميتة بالدباغ في غير خصوص الشاة فقال في حديث ابن عباسٍ (( إذا دبغ الإهاب فقد طهر ) )وفي حديث أم سلمة (( دباغ جلود الميتة طهورها ) )وغيرها من الأدلة المستوفاة في مكانٍ آخر مما يدل على أن حكمه على الشاة لا يدل على الخصوصية بها لأن العبرة بعموم اللفظ ولأن ذكر بعض أفراد العام لا يكون مخصصًا للعموم ، وهذا هو القول الراجح في نظري والله أعلم .