إذًا هذه الأحكام الشرعية هي ثمرة أصول الفقه . ومن شرفه أيضًا أنه يستمد مادته من سائر الفنون فهو يستمد من الكتاب والسنة والنحو والمنطق وغيرها ، فهو إذًا عبارة عن جملةٍ من الفنون مختلفة المشارب . ومن شرفه أنه القاعدة الأساسية لاستنباط الأحكام الشرعية من الأدلة ، ومن شرفه أن به تحفظ الشريعة إذ جُلُّ مباحثه إنما هي في مصادر الشريعة التي هي الكتاب والسنة وما تفرع عنهما من الإجماع والقياس ، فله الحظ الأكبر في حفظ هذه الشريعة المباركة فهو يحفظ لها أصولها وينافح عنها ويتعمق في البحث في أحكامها ومسائلها فيبحث في حجيتها وفي دلالات ألفاظها المنطوقة والمفهومة ، وفي أوامرها ونواهيها وخاصها وعامها والعمل عند ادعاء التعارض فيها إلى غير ذلك من المسائل التي يعرفها من نظر في مباحث أصول الفقه ، فلله دَرُّ هذا الفن ما أعظمه وما أشد الحاجة إليه ، فلما رأى العلماء من السلف والخلف هذه الأهمية العظمى لهذا الفن أقبلوا على مباحثه فدونوها وإلى مسائله وقواعده فضبطوها ، فألفوا في ذلك المؤلفات النافعة المفيدة العظيمة ما بين مطول ومختصر ، وناظم وشارح فتركوا لنا أيادي مشكورة ، وجهودًا مباركة من أسفارٍ في هذا الفن يعجز القلم عن حصرها والكلام عليها .
ولكن - ومع أهمية هذا العلم - إلا أننا نرى من بعض الطلبة زهدًا فيه عجيبًا فيه ، فلا تراهم يحرصون عليه باستفهام ولا سؤال بل بعضهم يتضايق من مجرد ذكر اسمه ، وبعضهم اعتقد الاعتقاد الجازم الذي لا مناقشة فيه أن هذا العلم يصف مصاف العلوم الصعبة المعقدة الثقيلة المملة ، وإذا سألتهم عن سبب ذلك أجابوك بأجوبة وقالوا: إن صعوبة هذا العلم ترجع لعدة أمور: