ومنها: ذهب الحنفية إلى عدم وجوب التسبيع والتتريب في غسل نجاسة الكلب واستدلوا بأدلة منها: قياس ولوغ الكلب على العذرة فالعذرة أشد وأغلظ نجاسة منه ومع ذلك لم يجب التسبيع في غسلها فكذلك نجاسة الكلب ، فإذا كانت العذرة مع غلظ نجاستها لا يجب فيها التسبيع فمن باب أولى ولوغ الكلب ، قال الجمهور: هذا قياس في مقابلة النص الصحيح الصريح وهو حديث أبي هريرة في ولوغ الكلب والقياس في مقابلة النص فاسد الاعتبار .
ومنها: ذهب بعض العلماء إلى جواز التداوي بالخمر وقاسوها على جواز الأكل من الميتة للمضطر عند الضرورة ، وذهب جماهير الأئمة إلى حرمة التداوي بها واستدلوا على ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم - (( ولا تتداو بحرام ) )وقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن الخمر تصنع للدواء فقال (( إنها داء وليست بدواء ) )وقال (( إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها ) )وفي سنن أبي داود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (( أنه نهى عن الدواء الخبيث ) )فهذه النصوص تفيد تحريم التداوي بكل حرام وعن الخمر بخصوصها ، وقياسهم هذا قياس فاسد الاعتبار لأنه في مقابلة النص والله أعلم .
القاعدة السادسة عشرة
( الزيادة من الثقة مقبولة إذا لم يخالف الثقات )
وهي من أجمل القواعد الأصولية الحديثية ، ولها من الفروع ما لا يحصى كثرةً ، وبمعرفتها وضبطها تحل إشكالات كثيرة ، ولا تتم بركتها إلا بجمع الطرق ، فإن جمع الطرق من أنفع ما يكون لطالب العلم ، فيا ليت طلاب العلم يقبلون على ضبط زيادات الثقات بجمع الطرق الحديثية ، كما كان السلف يحرصون كثيرًا على مثل هذا وسوف ترى إن شاء الله تعالى في الفروع كيف تأثير هذه القاعدة في الترجيح بين خلاف العلماء.
فأقول في شرحها وبالله التوفيق ومنه أستمد الفضل بحسن التحقيق: