الصفحة 232 من 492

إن الأصل في العبادات الإطلاق عن ثلاثة أشياء: عن الصفة والزمان والمكان ، أي أن الله تعالى كلفنا باعتقاد مشروعية هذه العبادة فقط من غير تعرض لصفتها ولا لزمانها ولا لمكانها ، ثم بعد ذلك وردت الأدلة محددة الزمان والمكان والصفة ، وذلك مثل قوله تعالى { وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ } إنما هو دليل على وجوب إقامتها فقط ، فلا يستفاد منه صفة إقامتها ولا زمان إقامتها ولا مكان إقامتها ، وكذلك قوله تعالى { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ } إنما يستفاد منه وجوب الحج فقط ، لكن لا يستفاد منه صفة الحج ولا زمانه ولا مكانه ، وهكذا الصيام في قوله تعالى { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ } يستفاد منه وجوب الصوم فقط ، لكن لا يستفاد منه صفة الصوم ولا زمانه ولا مكانه ، فهذا دليل على أن هذه الأدلة إنما تثبت أصل شرعية العبادة فقط ، وأن صفة العبادة وزمانها ومكانها لابد له من دليل آخر غير أدلة إثبات أصل المشروعية .

إذًا صدق قولنا: الأصل في العبادات الإطلاق ، أي الأصل أن كل عبادة مطلقة عن الصفة والزمان والمكان والمطلق لا يجوز تقييده إلا بدليل صحيح صريح ، فمن قيد عبادة بصفةٍ معينة أو مكانٍ معين أو زمانٍ معين فهذا التقييد لابد له من دليل صحيح صريح وإلا فيكون من التشريع في دين الله ما لم يأذن به الله تعالى .

فالعبادات يجب أن تبقى هكذا مطلقة حتى يرد الدليل المقيد ، وهذا الدليل المقيد لابد أن يكون دليلًا غير الدليل الذي يثبت أصل المشروعية ، لأن الدليل الذي يثبت أصل المشروعية لم يتعرض لا لوصفٍ ولا لزمانٍ ولا لمكانٍ ونحن إنما نطلب الدليل المثبت لهذه الصفة وهذا الزمان وهذا المكان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت