فإن العلماء قالوا: من جنى جناية في داخل الحرم فإنه يقام عليه الحد في الحرم ، ويقاس عليه من جنى جناية خارج الحرم ثم دخل الحرم بجامع وجود الجناية منهما ، وهذا هو الصحيح وهو مذهب الجمهور ، ولأن سد الذرائع مطلوب فقد يؤدي القول بعدم إقامة الحد في الحرم إلى اتخاذه ذريعة للجناية ثم دخول الحرم فتضيع حقوق الناس ، ولأن هذا الجاني ظالم معتدٍ والظالم والمعتدي لا حرمة له ، ولأن إقامة الحد على هذا الجاني في الحرم هو من باب الأخذ بالحق وإقامة العدل وهذا مأمور به شرعًا .
فالقياس الصحيح يقضي أن من جنى خارج الحرم ثم لاذ بالحرم أنه يقاد منه قياسًا على الإقادة ممن جنى داخل الحرم ، فإن قلت: لقد قدمت سابقًا في القاعدة الخامسة عشر أن القياس إذا خالف النص فهو فاسد الاعتبار أي أنه مردود ، فكيف تقول هنا إن القياس يخصص النص ، فقياسك العبد على الأمة في تنصيف الحد أليس يعارض عموم الآية ؟ فإن العبد يدخل فيها والقياس يخرجه ، فلماذا عملت بالقياس هنا وأبطلته هناك وهذا الذي جنى خارج الحرم ثم لاذ بالحرم أليس يدخل في عموم قوله تعالى { وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } والقياس يخرجه ، فعملت بالقياس ، فما الفرق بين القياس هنا والقياس هناك حتى تعمله هنا تبطله هناك ؟
قلت: هذا والله سؤال جيد يحتاج إلى جواب محرر ولم أر في كتب الأصول من ذكر الإشكال أصلًا فضلًا عن ذكر الجواب عليه ، وإني أجيب عليه مستعينًا بالله الصمد الحي القيوم ، مفتقرًا إليه أن يوفقني لهداه وأن يلهمني الحق والصواب فأقول:
إن القياس الخاص إذا أخرج بعض أفراد النص العام لا يكون ذلك من التعارض في شيء ، بل نخص العام بالخاص فيخرج هذا الفرد الذي أخرجه القياس وتبقى سائر الأفراد يعمل بها في عمومها ، فالنص العام معمول به بعد إخراج هذا الفرد ، فالعمل بالقياس لم يبطل العمل بالنص أصلًا وإنما أخرج فردًا من أفراده فقط وهذا هو المراد بقولنا: من المخصصات القياس .