إذا علمت هذا فاعلم أن هذه الصيغة لا تخلو إما أن ترد مجردة عن القرائن وإما أن تكون مقرونة بقرينة ، فإن كانت مقرونة بقرينة فإنها تفيد ما أفادت هذه القرينة ، فإن اقترنت بها قرينة الندب فهي ندب نحوه قوله { فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } فهذا أمر ندب لأنها لما نزلت لم يكاتب النبي - صلى الله عليه وسلم - رقيقه وكذلك كثير من الصحابة لم يكاتبوهم مما يدل على أن الأمر فيها للندب .
ولذلك تجد أن الأصوليين يبحثون معاني هذه الصيغة في باب الأمر ، فيقولون: من معانيها الندب وتقدم ، والإباحة كقوله تعالى: { فَاصْطَادُوا } ، والتعجيز كقوله تعالى: { قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا } ، والتسخير كقوله تعالى: { كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ } ، والإهانة كقوله تعالى: { ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ } ، والتسوية كقوله تعالى: { فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ } ، والتهديد كقوله تعالى: { اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ } ونحوها كالدعاء والإكرام والخبر . فصيغة (افعل) فيما مضى لا تدخل في بحثنا لأنه قد اقترنت قرائن أخرجتها إلى غير بابها الأصلي فإذا اقترن بهذه الصيغة قرائن فإنها تدل على ما دلت عليه القرينة وليس هذا هو مجال بحثنا .