ومن الأدلة: قوله تعالى: { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ } ، وقال تعالى في آية أخرى: { فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ } ، وفي أخرى: { قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ } .
ووجه الدلالة من ذلك: أن الله تعالى لما أمر الملائكة بالسجود سارعوا إلى ذلك وامتنع إبليس عن السجود وعارض النص برأيه فوبخه الله وذمه وعاقبه بالطرد واللعنة والإهباط من الجنة فهذه العقوبة بين الله أنها على ترك الأمر فهذا يدل على أن الأمر في قوله: { اسْجُدُوا } يفيد الوجوب ولذلك لما خالفه نال ما ناله من التوبيخ والذم والعقوبة ولو كان الأمر الموجه للملائكة لا يفيد الوجوب لقال إبليس: لم تعاقبني على ما لم يجب عليَّ لكن لما لم يقل ذلك دل على أنه كان يفهم منه الوجوب ، ولا يقال: إن إبليس لم يسجد لأنه ليس من الملائكة لأننا نقول هو من الملائكة بوصفه ومن الجن بأصله كما هو اختيار أبي العباس ابن تيمية وهو الراجح ، فلما أمر الله الملائكة بالسجود دخل إبليس في ضمنهم بوصفه ومثاله لكنه خالف الأمر برجوعه إلى أصله ولذلك قال تعالى: { إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ … } فقرن الحكم بالفاء بعيد وصفٍ مما يدل على أن سبب فسقه هو لأنه من الجن وطبعهم الفسق والمخالفة .
وخلاصة الأمر أن إبليس من الملائكة بوصفه ومثاله لكنه من الجن بأصله ، فيكون داخلًا في ضمن الأمر للملائكة بالسجود فلما خالف الأمر وأبى واستكبر لُعِن وطُرِد ومُسِخ على أقبح صورة مما يدل على أن الأمر المطلق يفيد الوجوب ، والله أعلم .