ومن ذلك: قوله تعالى: { فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ } فنهى عن جماع المرأة الحائض ثم قال: { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ } فأمر بإتيانها ، وهذا الأمر يفيد الإباحة لأن الإتيان قبل الحيض مباح ، وبهذا يتبين لك جليًا أن الأمر بعد الحظر يرجع إلى حكمه السابق قبل الحظر إلا أنك تلاحظ أن غالب ما ورد في الشريعة من الأمر بعد الحظر إنما يفيد الإباحة ولذلك قال من قال إنه للإباحة ، لكن الأجود هو القول بمقتضى هذه القاعدة والله تعالى أعلى وأعلم .
القاعدة الخامسة
(الأمر المتجرد عن القرائن يفيد الفور ولا يفيد التكرار)
هما قاعدتان مهمتان غاية الأهمية فلابد من فصلهما وشرحهما واحدة واحدة ، فأقول: القاعدة الأولى:"الأمر المتجرد عن القرائن يفيد الفور".
أقول: المراد (بالفور) أي وجوب المبادرة بالفعل وعدم التأخير ، فهل إذا أمر الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - بأمرٍ مَّا فهل تلزم المبادرة بامتثاله أو أنه على التراخي ، أي يجوز للمكلف تأخيره فعله متى شاء ، هذا هو ما تجيب عنه القاعدة ، وقد اختلف العلماء في ذلك اختلافًا قويًا قد أثر في الفروع تأثيرًا واضحًا ، فقال بعضهم الأمر المتجرد عن القرائن يفيد الفور ، وقال بعضهم بل يفيد التراخي ، والصواب هو الأول أنه يفيد الفور ، وقد قلنا في المقدمة أننا نخرج القاعدة الأصولية المختلف فيها بصيغة الجزم على القول الذي نرجحه ، والراجح هو أن الأمر المتجرد عن القرائن يفيد المبادرة بالفعل أي الفور ، والدليل على ذلك عدة أمور: