الصفحة 51 من 492

ومن الأدلة على ذلك أيضًا: حديث ابن عمر في الصحيحين ، قال: (( بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أُنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها ، فاستداروا كما هم إلى القبلة ) )فانظروا كيف هذا الامتثال فإن الصحابة هؤلاء - رضي الله عنهم - فهموا من الأمر باستقبال القبلة وجوب المبادرة ولذلك فعلوا ما فعلوا ولم ينتظروا إلى انتهاء الصلاة ، فلو أن الأمر يفيد التراخي لما تحركوا هذه الحركة الكثيرة في الصلاة ولانتظروا إلى الفراغ منها لكن كانوا يفهمون أن الأمر هذا يفيد الفور فبادروا بامتثاله واستداروا كما هم إلى الكعبة ، ومثل هذا الفعل لا يخفى على النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا على سائر الصحابة ولم يثبت عن أحدٍ منهم أنه أنكر ذلك مما يدل على أن المتقرر عندهم هو أن الأمر المطلق يفيد الفور ، والله أعلم .

ومن الأدلة عليه: ما يروى عن عمر موقوفًا ومرفوعًا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: (( تعجلوا إلى الحج والعمرة فإنه لا يدري أحدكم ما يعرض له ) )وسنده ضعيف ، وقال عمر - رضي الله عنه -:"من قدر على الحج فلم يحج فلا عليه أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا"، وقال:"لقد هممت أن آمر عمالي فيرسلوا إلى الأمصار أن من وجد جدة للحج ولم يحج أن يضربوا عليهم الجزية ، ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين"ولم ينكر عليه أحد مما يدل على أن الأمر بالحج للفور وإلا لم يكن للخليفة الثاني أن يحكم بهذا الحكم على من لم يرتكب حرامًا وإنما أمر ما يسوغ له تأخيره ، لكن لما قال ذلك وهَمَّ به دل على أن الأمر بالحج يفيد الفور ووجوب المبادرة ، وهذه الأحاديث وإن كانت في سندها ضعيفة لكنها تتأيد بعموم الأدلة الدالة على أن الأمر يفيد الفور ، وإن لم يقبل هذا الدليل فالأدلة الماضية فيها كفاية إن شاء الله تعالى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت