الصفحة 50 من 492

ومن الأدلة أيضًا: أنه أبرأ للذمة وأسرع في الخروج من عهدة المطالبة ، وهو مقصد العاقل ولأنه لا يدري إذا أخر الفعل هل يتمكن من أدائه أو لا فإن العوارض كثيرة وابن آدم كالخامة الطرية من الزرع ، لكن إذا بادر إلى متثال واتقى الله ما استطاع لكان ذلك أبرأ لذمته ، ثم أضف إلى هذا أن المبادرة إلى الامتثال والمسارعة في تنفيذ الأمر من تعظيم شعائر الله وذلك دليل على تقوى القلوب ، فإنه لو أمرك الملك أو الأمير بشيء ولم تبادر إليه وتراخيت وهو يأمرك لعدَّ ذلك منك سخرية وتساهلًا بأمره وعدم تعظيم له ، لكن لو أنك من حين ما أمرك امتثلت لعَدَّ ذلك تعظيمًا لأمره ، ولله المثل الأعلى ، فإنك إذا بادرت في القيام بأمر الشارع فور صدوره وسماعه لكان ذلك من تعظيمه ، وتعظيم شعائر الله أخبر الله أنه من تقوى القلوب .

وأضف إلى هذا أن النفوس على ما عودت عليه فإن عودتها على الجد والمبادرة والمسارعة في الخيرات تعودت عليه وسهلت الطاعات عليها ، وأما إذا عودتها على الخمول والدعة والكسل وحب التأخير تراخت وفترت قواها وآثرت التأخير والتسويف ، ومن ثَمَّ تثقل عليها الطاعة ، فصار القول بأن الأمر المطلق يقتضي الفور له مصالح جمة وحكم عظيمة ، وهذه المصالح تفوت لو قلنا إنه على التراخي كما ترى .

ومن الأدلة أيضًا: أنه لما نزل تحريم الخمر في قوله { فاجتنبوه } وهو أمر بالاجتناب ، امتثل الصحابة هذا الأمر أعظم الامتثال وبادروا بالاجتناب حتى سطروا أروع الأمثلة ، فمنهم من كانت الشربة في فمه فَمجَّها وأريقت دنان الخمور في الشوارع حتى سالت منها شوارع المدينة ، ولم يتراخ أحد منهم مما يدل على أنهم كانوا يفهمون وجوب المبادرة الفورية في تنفيذ الأمر ، ولم يعرف عن أحدٍ منهم إنكار ذلك أو مخالفته فكان إجماعًا منهم أن الأمر يفيد الفور وسرعة الامتثال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت