الصفحة 59 من 492

ومن الأدلة أيضًا: أن الرجل لو أخبر عن نفسه وقال: صمت ، فإنه يكون صادقًا بصوم يومٍ واحدٍ ، ولو قال: سوف أصوم ، صدق بصوم يومٍ واحدٍ فقط ، فهذا يدل على أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار ولو كان يقتضيه لما صدق إلا بصوم الأيام كلها وهذا واضح .

إذا علمت هذا فاعلم أنه يشكل على هذا المذهب الراجح بعض الإشكالات التي أوردها الفريق الآخر القائلون بأن الأمر المطلق يقتضي التكرار ، فمن ذلك: حديث ابن عباس عند مسلم في وجوب الحج وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: (( إن الله فرض عليكم الحج فحجوا ، فقام رجل قال: أفي كل عامٍ يا رسول الله ، فقال: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ، الحج مرة فمن زاد فهو تطوع ) )ووجه الإشكال أن الأمر في قوله (( فحجوا ) )لو كان لا يفيد إلا المرة الواحدة لما حسن سؤال الأقرع بن حابس - رضي الله عنه - أعني قوله (أفي كل عامٍ يا رسول الله) ، لكن لما كان لا يفيده حسن السؤال منه ، والأقرع من فصحاء العرب ، فدل سؤاله أنه لم يكن يفهم أن الأمر المجرد لا يفيد التكرار فكيف تقولون إنه لا يفيد التكرار ، فإنكم بهذا تكونون قد فهمتم شيئًا لم يفهمه الأقرع - رضي الله عنه - ، كذا قالوا ، وهو كلام مهزول ضعيف لا تقوم به حجة ، وبيان ذلك من أمور:

الأول: أن الأقرع لم يفهم من الأمر التكرار أيضًا ، أعني أن الدليل يرد على قولكم كما يرد على قولنا ، فنقول: سلمنا أن الأقرع سأل عن المراد بالأمر لأنه لم يفهم إفادته للمرة الواحدة ، لكن أيضًا سؤاله دليل على أنه لم يكن يفهم أنه للتكرار كما تقولون إذ لو كان الأقرع يفهم من الأمر المطلق التكرار فلماذا يسأل عن إفادته التكرار ، ففي الحقيقة أن حديث ابن عباس هذا يرد على كلا المذهبين هذا مع التسليم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت