الصفحة 60 من 492

الثاني: أن من تدبر إجابة النبي - صلى الله عليه وسلم - وجد أن هذا الحديث دليل لنا لا لكم وبيان ذلك أنه قال (( فحجوا ) )ثم قال الأقرع (أفي كل عام) فقال عليه الصلاة والسلام (( لو قلت نعم لوجبت ) )أي لوجب تكرارها بقوله (( نعم ) )أي لو أجاب الأقرع بنعم لأفاد التكرار ، فدل ذلك على أن الأمر في قوله (( فحجوا ) )لا يفيد التكرار ، لأنه لو كان يفيد التكرار لقال يا أقرع نعم الحج في كل عام لكن يكفيك مرة وما زاد فهو تطوع ، لكنه قال (( لو قلت نعم ) )وحرف (لو) في اللغة حرف امتناع لامتناع ، أي لما لم يقل (( نعم ) )امتنع التكرار فالتكرار مستفاد من قوله (( نعم ) )لكنه لم يقله فلا تكرار إذًا ، فإذا انتفى التكرار بانتفاء قول (نعم) بقينا على دلالة الأمر في قوله (( فحجوا ) )ولذلك قال مبينًا لهذه الدلالة في آخر الحديث (( الحج مرة فمن زاد فهو تطوع ) )وهذا حقه أن يكون في سياق الأدلة لمذهبنا لكن الغفلة عنه أوجبت تأخيره فالله المستعان .

فإن قلت: فإذا كان الأمر كذلك والأمر في قوله (( فحجوا ) )لا يفيد التكرار فلماذا يسأل الأقرع هذا السؤال ؟ ولماذا لم يكتف بدلالة الأمر الأول ؟ فما الداعي لسؤاله هذا ؟

فنقول: لعل الأقرع أراد زيادة الاحتياط لدينه ولم يكتف بالوضع اللغوي بل أراد أن يسمعها من النبي - صلى الله عليه وسلم - ليزول الإشكال وينتفي الاحتمال ، وهذا من الاحتياط المطلوب شرعًا ، وما العيب في هذا ؟ أو لعل الأقرع نظر إلى الفرائض المشروعة ووجدها متكررة فالصلاة تتكرر كل يومٍ وليلة والزكاة كل سنة والصيام كل سنة فغالب الفرائض متكررة إما في اليوم وإما في السنة فلما سمع الأمر بالحج والحج يتكرر موسمه كل عام ظن - رضي الله عنه - أنه كالصيام ونحوه ، فأراد إزالة هذا الظن بالسؤال ، فسأل فأجيب ، فهذا بالنسبة للإشكال الأول والجواب عليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت