وأما الحجة الثالثة: فأقول فيها نعم إننا نجد شيئًا من ذلك لكن ما مقدار هذه المسائل بالنسبة للمسائل التي لها ثمرة ، فإنك إذا نظرت لهما وجدت أن المسائل التي لا ثمرة لها لا تعادل شيئًا فهل من الإنصاف أن نحكم على علم الأصول ببعضٍ يسير من مسائله ، ثم أضف إلى هذا أن قولهم لا ثمرة له قد لا يجمعون عليه ، وهذا هو الواقع وهو كثير فإنك تجد بعض المصنفين يقول: لا ثمرة لهذه المسألة ، بينما يقول البعض بل لها ثمرة وهي كيت وكيت ، ولو سلمنا أنهم أجمعوا أن لا ثمرة لها فإنهم إنما ذكروها ليتدرب الطالب على طريقة العرض والمحاجة والمناظرة وسرد الأدلة وترتيبها وبيان وجه الاستدلال بها ، فهي إذًا في حقيقتها لها ثمرة ولابد .
ثم اعلم أن المسائل التي لا ثمرة لها ليست في أصول الفقه بل نحن نجد في التوحيد مباحث لا ثمرة لها ، كقولهم: هل رأى محمد ربه أو لا ؟ فبالله عليك ما الثمرة العقدية المستفادة من ذلك ، نعم لو أثبتناها لكان في ذلك زيادة شرف النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن أقصد الثمرة العقدية الخاصة بنا ، وإلا فغالب المسائل بل كل المسائل التي يقال لا ثمرة لها يجد الإنسان فيها بعد التحقيق والتدقيق أن لها ثمرة . فالعاقل المنصف لا يجعل وجود مثل هذه المسائل قادحًا في أصول الفقه .
ثم إنك لو نظرت في كتب التفسير أيضًا لوجدت في كثير منها عرض الخلاف في مسائل لا فائدة من ورائها والإطالة في ذكرها كخلافهم في لون كلب أصحاب الكهف وما كان اسمه ومن أي الشجر كانت عصى موسى وما اسم الغلام الذي قتله الخضر ، وما البعض الذي ضرب به الغلام في قصة البقرة ، كل ذلك لا طائل من ورائه ولا ثمرة تعود من معرفته فلماذا لا نرى هذا قادحًا في كتب التفسير ؟