ومنها: المضمضة والاستنشاق ، قال الحنفية: إنهما سنة في الوضوء وفرض في الغسل ، أما كونهما سنة في الوضوء فلأن آية الوضوء لم تذكرهما وإنما ذكرت الأعضاء الأربعة وأمّا المضمضة والاستنشاق فقد ثبتا بالسنة الآحادية ، فلو قلنا بأنهما واجبان كالأعضاء الأربعة لزدنا على القرآن والزيادة على النص نسخ ، وأيضًا: يدل على أنهما سنة حديث"المضمضة والاستنشاق سنة"،وحديث"عشر من السنة"وذكر فيها المضمضة والاستنشاق ، وذهب الحنابلة وغيرهم إلى وجوبهما بأدلة كثيرة يطول المقام بذكرها وقد استوفيتها في شرح"أخصر المختصرات"تدل الناظر فيها أن الراجح هو القول بوجوبهما ، وأما قولهم هي زيادة على آية الوضوء فلا نسلمه بل هما بيان لقوله تعالى: { فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ } فهما من الوجه لدخولهما في حده ، وإن سلمنا أنهما زيادة فلا ترد بذلك لأن الزيادة على النص ليست نسخًا ، وأما حديث"عشر من السنة"فليس هكذا لفظه وإنما هو عند مسلم وغيره بلفظ"عشر من الفطرة"، وإن سلمنا لفظهم هذا فليس بالمراد بالسنة ما تعارف عليه الفقهاء وإنما المراد به الطريقة والهدي ، والمصطلحات الحادثة لا تكون حاكمة على الأدلة الشرعية ، وأما حديث"المضمضة والاستنشاق سنة"فقد رواه الدارقطني لكن سنده لا تقوم به حجة ، وقد ضعفه الحافظ ابن حجر وغيره ، فتبين لك بذلك أن الراجح هو القول بوجوبهما وأن زيادتهما إنما هي زيادة بيانية لا ابتدائية ، والعجب كل العجب من الحنفية فإنهم جعلوا المضمضة والاستنشاق فرضًا في الغسل فمن أين لهم ذلك وليس معهم إلا قوله تعالى: { وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا } ففي هذه الآية إنما أمر بالتطهر وليس فيه ذكر للمضمضة والاستنشاق أفليست هذه زيادة على القرآن ؟ بلى ولكن لم يردوها وردوها في الوضوء ، مع أن الأمر في الأحاديث بالمضمضة والاستنشاق في الوضوء من الصراحة والصحة والوضوح ما يعرفه من وقف عليها ، ولا