إذا علمت هذا فاعلم أنه قد أورد علينا بعض النبلاء الفضلاء سؤالًا مهمًا قال فيه: كيف تقولون إن الجهل عذر مسقط للمؤاخذة في فعل المحذور وترك المأمور وأن الإنسان إذا فوت مأمورًا جاهلًا به أنه لا يلزمه تداركه ، مع أنكم قررتم في موضعٍ آخر أن باب المأمورات لا يسقط بالجهل والنسيان ، فكيف تقولون مرة الجهل عذر مسقط للتكليف ثم تعودون فتقولون ليس الجهل عذرًا في باب المأمورات ؟
فنقول: هذا سؤال مهم والجواب عنه أن تفرق أيها المحب بين الجهل الذي يعذر صاحبه والذي لا يعذر به صاحبه ، وقد اختلف العلماء في التفريق بينهما والراجح عندي والله أعلم أن رفع الجهل من الأحكام الشرعية التي مناطها الاستطاعة فالجهل الذي لا يعذر صاحبه هو الجهل الذي عنده قدرة على رفعه بالسؤال والبحث لكنه فرط في رفعه وتكاسل وتثاقل عن سؤال أهل العلم أو أشغلته الدنيا عن الدين ففرط في السؤال والبحث فصاحب هذا الجهل لا يعذر أبدًا . والجهل الذي يعد عذرًا ومسقطًا للتكليف هو ذلك الجهل الذي لا قدرة للمكلف على رفعه فهو يريد أن يرفعه لكن لا استطاعة له في رفعه إما لعدم العلماء أصلًا وإما لأنه بعيد عنهم لا يقدر على الوصول إليهم . وإما لأنه يظن صواب نفسه - وهو ما يسمونه الجهل المركب - فهذا النوع من الجهل هو الذي نعنيه في قولنا (لا تكليف مع الجهل) فمن فعل شيئًا من المحرمات جاهلًا حرمتها فلا إثم عليه ، ومن ترك شيئًا من الواجبات جاهلًا وجوبها فلا إثم عليه بل ولا قضاء عليه إذا فات وقت الواجب قبل العلم.