وأما قولنا (المأمورات لا تسقط بالجهل) فإننا نعني به الجهل الذي لا يعذر به صاحبه ، فمن ترك الصلاة مثلًا جاهلًا بوجوبها ننظر إن كان جهلًا يعذر به فلا قضاء عليه ، وإن كان جهلًا لا يعذر به فيلزمه القضاء ، والجهل الذي يعذر به صاحبه هو المراد بقول بعض أهل العلم: (ومثله يجهل) فإذا قالوا هذه العبارة فاعلم أنهم يعنون به الجهل الذي يعذر به صاحبه ، وأما باب التروك فإنه أخف بكثير من باب المأمورات ولذلك قالوا (وباب التروك يسقط بالجهل) أي ولو كان لا يعذر به صاحبه وهذا من باب التخفيف فمن فعل شيئًا من المحرمات جاهلًا بحرمتها جهلًا لا يعذر به ثم علم حرمتها فلا إثم عليه لأنه فعل المحظور جاهلًا ، وهذا أحد الأوجه التي بها حكمنا أن باب المأمورات أشد من باب التروك . هذا هو جواب السؤال ، فإن قلتَ: فما حكم العلم إذًا ؟
قلتُ: العلم أقسام فمنه ما يكون فرضًا على كل أحد ، ومنه ما يكون سنة ، ومنه ما يكون فرضًا على الكفاية ونقصد به العلم الشرعي فقط لأنه هو الذي يتعلق بالتكليف فأما الفرض منه فالضابط فيه هو كل علم يحتاج إليه المكلف في عقيدته وعبادته ومعاملته فهو فرض ، أي الذي لا تصح العقيدة إلا به ولا تصح العبادة إلا به ، فهو الفرض ذلك لأن طلب صحة العقيدة والعبادة واجب"وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"وما زاد على ذلك فهو في حق عموم الأمة فرض كفاية ، وفي حق الأفراد سنة ، وبهذا يتبين لك أن التكاليف الشرعية من شرط لزومها العلم وهو الشرط الثالث .
والشرط الرابع: هو ما أشار إليه بقوله (والقدرة) أي أن التكاليف الشرعية لا تلزم إلا القادر على فعلها ، وأما العاجز فلا يلزمه ما عجز عنه وهذا من رحمه الله تعالى أن كل ما عجزت عنه يسقط عنك ، فلله الحمد والمنة .