وأما النظري: فلأن فعل المكرَه - بالفتح - لا ينسب في الحقيقة له ، وإنما ينسب إلى المكرِه - بالكسر - لأنه هو الذي حمله على هذا القول أو الفعل فكيف يعاقب الإنسان بما ليس من فعله حقيقة ، فصار محض العدل الرباني أن يتجاوز عن المكلف إذا فعل ما أُكره عليه .
إذا علمت هذا فاعلم أن المشهور عند الحنابلة هو التفريق بين الإكراه الملجئ والإكراه غير الملجئ ، ولا دليل على هذا التفريق بل كل ما يدخل في مسمى الإكراه يعد عذرًا من الأعذار المسقطة للتكليف وذلك لأن الأدلة لم تفصّل وتفرّق بين إكراه وإكراه ، بل وردت مطلقة والمطلق لا يجوز تقييده ببعض أفراده إلا بدليل ولا دليل ، ثم اعلم أن بعضهم ذكر إشكالًا على اشتراط الاختيار وقال:"بل الإنسان مكلف حتى مع الإكراه"واستدل بحديث طارق بن شهاب عند أحمد بسند حسن في قصة الذي دخل النار في الذباب الذي قربه للصنم وأنه ما قربه إلا مكرهًا ومع ذلك دخل النار مما يدل على أنه مكلف إذ لو لم يكن مكلفًا لما استوجب النار .
فنقول: هذا إيراد قوي يحتاج إلى جواب ، وقد فصلنا أجوبته في كتاب"تلقيح الأفهام"ونعيده هنا باختصار فنقول: قد ذكر العلماء عن هذا الإشكال عدة أجوبة:
منها: أن الحديث ضعيف لأنه من رواية طارق بن شهاب وهو تابعي ومرسل التابعي ضعيف فلا يكون معارضًا للقرآن وصحيح السنة ، وتُعقّب بأن الصحيح أن طارق بن شهاب صحابي من صغار الصحابة وحديثه مرسل صحابي ، والصواب أن مراسيل الصحابة مقبولة .
ومنها: أن الرجل قرب الذباب للصنم تعبدًا لا فرارًا من الإكراه ، والأدلة إنما أجازت قول الكفر وفعله بشرط ثبات القلب على الإيمان ، وتُعقّب بأن هذا أمر قلبي لا يعلمه إلا الله ، والظاهر يدل على أنه ما قرب إلا لما ألزموه بذلك .