فلا عبرة بما يردده مخرفو الصوفية الضالون من أن الله أحيا له أبويه فأسلما فإنه من خرافاتهم وموضوعاتهم - قبحهم الله - ومجرد القرابة لا تغني شيئًا إذا لم يكن معها إيمان بالله وحده وعمل صالح ، فابن نوح مات كافرًا ، ووالد إبراهيم مات كافرًا وهو في النار كما في الحديث الصحيح ، وزوجة لوطٍ ونوحٍ من أهل النار كما في سورة التحريم ، فقرابة الصالحين لا تنفع إن لم يكن معها إيمان وعمل صالح .
وأما أمه - صلى الله عليه وسلم - فلم يأت دليل يشهد أنها من أهل النار وإنما ورد الدليل بنهيه عن الاستغفار لها ، ومجرد النهي عن الاستغفار لا يدل على أنها من أهل النار لأننا ذكرنا سابقًا أننا نعامل أصحاب الفترة في الدنيا معاملة المشركين فلا يجوز الاستغفار لهم ، والمقصود أن أصحاب الفترة في الآخرة لا يعذبون إلا بعد إقامة الحجة عليهم في عرصات يوم القيامة ، لأنه لا تكليف إلا بعلم ولا عقوبة إلا بعد إنذار .
ومنها: من نشأ في باديةٍ بعيدةٍ عن العلم والعلماء أو أسلم حربي في دار حرب ولا قدرة له على الهجرة ولا يعرف شرائع الإسلام فترك الصلاة وشرب الخمر ثم علم بالحكم بعد ذلك فإنه لا يلزمه قضاء ما فات من الصلوات ولا إثم عليه ولا حد في شربه للخمر لأنه يجهل الحكم فيها ومثله يجهل ولا تكليف إلا بعلم .
ومنها: اختلف العلماء متى تقوم الحجة على المكلف ، هل هو ببلوغها ؟ أم ببلوغها وفهمها ؟ فيه قولان ، والصواب منهما أن الحجة لا تقوم على المكلف إلا بالأمرين: ببلوغها وفهمها ، وقد ذكرت الأدلة على ترجيح هذا القول وبينت أن الخلاف بينهم لفظي في كتاب"المباحث الجلية". والمراد تخريج هذا الخلاف على القاعدة وبيانه أن يقال: انظر كيف اشترط العلماء لقيام الحجة على المكلف أن يعلم الحكم الشرعي مما يدل على أن العلم شرط في التكليف فلا تكليف إلا بعلم .