فهرس الكتاب
وقوله تعالى { وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُوْنَ } الأعراف 33 .
ومن السنة: قوله - صلى الله عليه وسلم -:"إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحد حدودًا فلا تعتدوها ، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها".
وقوله - صلى الله عليه وسلم -:"ذروني ما تركتكم ، فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم . ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فاتوا منه ما استطعتم". الحديث الأول عن أبي ثعلبة الخشني - ( جامع المسانيد والسنن 13/454 ) . والحديث الثاني رواه البخاري ومسلم .
ومن الإجماع أن كثيرًا من الصحابة قد ذم الرأي وسكت الباقون ، فاعتبر هذا إجماعًا . وقد نقل عن أبي بكر - رضي الله عنه - قوله: ( أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي ) . وقال عمر رضي الله عنه: ( إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن ، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها ، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا ) .
ومن المعقول عندهم أن الله تعالى ذم المنازعة والخلاف في القرآن الكريم ، ونهانا عن الفرقة والتشتت فقال عز وجل: { أَنْ أَقِيْمُوا الدِّيْنَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيْهِ } الشورى 13 . وصريح القرآن لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرًا ، لأن الاختلاف سببه اشتباه الحق وعدم ظهوره ، لانعدام العلم الذي يفرق بين الحق والباطل . والقياس يتضمن اشتباه الحق وعدم ظهوره لأنه من غير الله ، فهو تشريع بشري ، والتحاكم إليه تشريع بغير ما أنزل الله . { أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّيْنِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ } . الشورى 21 . { اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُوْنِ اللهِ } التوبة 31 . وقد سئل داود الظاهري: ( كيف تبطل القياس وقد أخذ به الشافعي ؟ ) فقال: ( أخذت أدلة الشافعي في إبطال الاستحسان فوجدتها تبطل القياس ) .
إن القضايا المتعلقة بهذا الصنف من الاستنباط من غير الأدلة الأصلية ، حقيقة واقعة في المجتمع ، حدثت وتحدث ، ويتجدد شبيه لها ومخالف لها في كل عصر . والفقه الإسلامي واحد في هدفه ومواضيعه . ينبع من أصل واحد هو الكتاب والسنة . إلا أنه يتأثر بالبيئة التي يعمل فيها ، تجارية أو سياسية أو اجتماعية ، سلمًا أو حربًا . ولا بد من تنظيم حياة الناس في هذا المجال ، واستحداث حلول تساير النشاط البشري دفعًا للتظالم ، وتحقيقًا للعدل والسلم ، وتوفيرًا لظروف تساهم في رقي الأمة ونهضتها . ولذلك رأى الفقهاء ضرورة استنباط أحكام للشرع في هذا الاتجاه .
هذا الموقف عكس أيضًا مرونة التشريع الإسلامي وصلابته وبعد غوره ، وإعجازه وصلاحيته لكل ظرف وحال . لكن مربط الفرس في الخلاف بين هذه المذاهب وبين المذهب الظاهري ، هو جواز اعتبار هذه الاستنباطات تشريعًا إسلاميًا أو عدم جواز ذلك . فإذا اعتبرناها تشريعًا إسلاميًا