الصفحة 75 من 149

خضعت للأحكام التكليفية الشرعية الخمسة ودخلت تحت طائلة الإيجاب والتحريم والندب والكراهة والإباحة ، وما يستتبع ذلك من جزاءات دنيوية وأخروية ، باعتبارها عبادةً لها أجرها أو ذنبًا له وزره .

ففقهاء المذاهب الأربعة الذين جشموا أنفسهم مشقة الاستنباط ، رأوا أن لكل قضية حكمًا لله فيها يجب على المجتهد إظهاره ، و إلا أثمت الأمة كلها . لأن الاجتهاد فرض كفاية وفقهاء المذهب الظاهري يرون أن هذا الصنف من القضايا متروك على أصل البراءة ، والحكم فيه بقاء ما كان على ما كان ؛ لأن الله تعالى لم يخبرنا بحكمه فيه رحمة بنا وتوسعة علينا . إلا أن إهمال هذه القضايا وعدم تنظيم حياة الناس فيها مما يؤدي إلى الفوضى والتناقض ، ويساهم في انتشار الظلم ، ويعوق حركة المجتمع الإيجابية . ونحن في هذا الأمر بين رأي الظاهرية الذين يكادون يكفرون المجتهدين فيه ، وبين فقهاء المذاهب الأخرى الذين يرون ترك الاجتهاد فيه إثمًا وتفريطًا . ولكل فريق رأي وجيه إن جرد من التشنج والتعصب . فكيف نوفق بين الموقفين ؟ كيف ننظم حياة الناس في هذه المجالات المستحدثة المتجددة ، دون أن نكون قد تدخلنا في التشريع الإلهي ، وحكمنا بغير ما أنزل الله ، ودون أن نأثم بالتوقف عن الاجتهاد والمساهمة في حل مشاكل المسلمين ؟

ينبغي أولًا أن نرد على الظاهرية بأن مفهومهم لأصل البراءة فيما ترك فيه التشريع رحمة ، ليس مبررًا لتركه فوضى ، بدعوى أن النص لم يبينه ، أو أنه منعنا من تنظيمه وتقنينه ؛ لأن الرحمة لا تعني ترك النظام والتنظيم ، ولكن تعني عدم المساءلة الأُخروية فيه .

كما أن المذاهب الأخرى وجهة نظرها مقبولة ، من حيث وجوب تنظيم حياة الناس في هذا الصنف من القضايا ؛ إلا أن جعل ما يستنبطونه فيه شرعًا إسلاميًا صرفًا فيه نظر . ولا شك أن استنباطاتهم هذه نابعة من صميم الشريعة الإسلامية ، وناشئة في ظلها وبتوجيهاتها العامة وحكمتها ومقاصدها ورحمتها . إذ من الطبيعي أن تنشأ في ظل كل تشريع أو قانون ، تشريعات أو قوانين جزئية نابعة من روحه . فالقوانين الوضعية في أغلب البلاد الإسلامية مثلًا ، ناشئة من روح القوانين الأوربية وفي ظلها ، والقوانين الأوربية الحالية ناشئة من روح القوانين الرومانية الوثنية وفي ظلها .

فإذا كانت هذه الاستنباطات الفقهية في هذا الميدان ناشئة من روح الشريعة الإسلامية وفي ظلها ، وكان للدولة الإسلامية أن تتبنى بعضها وترفعها إلى مستوى قوانين ملزمة ، وتقرر لمخالفتها جزاءات تنظيمية وإدارية وتعزيرية ، من غير أن تدخلها تحت طائلة الإثم والمخالفة الدينية ، نكون قد وفقنا بين المذاهب الأربعة وبين المذهب الظاهري ، وقربنا شقة الخلاف ، وفتحنا باب الوحدة التشريعية بين المسلمين ، وفسحنا المجال لتطور المجتمع وتسريع حركة التجدد فيه .

إلا أننا بهذا النهج في التعامل مع الموضوع محتاجون إلى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت