فهرس الكتاب
مراجعة شاملة ودقيقة لكل الاجتهادات الفقهية في هذا الميدان ، وتصنيفها والاستفادة منها . وسوف نكتشف أن مجرد أحادية نظرتنا وتشنجنا ، هو الحائل بيننا وبين الاستفادة منها . ولنضرب مثلًا لذلك ، قضية فقهية بسيطة هي ما عرف بإزالة النجاسة بما سوى الماء ، كالخل مثلًا . وهي جائزة عند أبي حنيفة ولا تجوز عند الشافعي . لكننا إذا نظرنا إلى واقعنا المعاصر ، وجدنا أن فقهاء جميع المذاهب أصبحوا يعملون بديهة منهم وسليقة برأي أبي حنيفة ؛ لأنهم يرسلون ملابسهم إلى المغاسل الآلية العامة التي تنظف بغير الماء ، أي بالمواد الكميائية . فالمذهب الحنفي مثلًا في هذا الموضوع متقدم جدًا على غيره . وكذلك نجد أن كل مذهب آخر متقدم على غيره في مجال آخر .
اعتبار المذاهب الإسلامية كلها مجرد مدارس علمية فقهية لا غير ، تتكامل فيما أصابت فيه وتتناصح فيما أخطأت فيه ، وتتعاون لتنظيم شؤون الناس المتروكة لاجتهاد البشر رحمة من رب العالمين ، تحت راية القرآن والسنة . إذ التفريط فيها يضر بالتشريع الإسلامي نفسه ، والتفريط فيما حول الحمى يعصف بالحمى ، والمحافظة على المندوب تحفظ الواجب ، والذريعة إلى الإخلال بالمروءة إخلال بالمروءة في واقع الأمر .
إلا أن هذا الاتجاه له من المحاذير والمخاطر ما يوجب التنبه له ومعالجته بيقظة وحزم . فقد يتخذ ذريعة للتحلل من أحكام الشرع ، أو المجادلة بالباطل دون علم وصدق توجه . إذ ما حرف الاجتهاد أحيانًا عن مساره الصحيح ، إلا المجتهدون المغرضون ، الراغبون في الدنيا ، المعرضون عن الآخرة ، أو الجهلة الذين يقتحمونه بهوى أنفس وفراغ عقول .