الصفحة 77 من 149

فقه الأحكام السلطانية

لا بد من الإشارة إلى أن التدوين في الفقه السياسي لدى المسلمين بدأ متأخرًا عن تدوين كثير من العلوم الأخرى ، وعلى غير يد الفقهاء المعتبرين ، ومن مرجعية غير إسلامية صرفة .

فقد ظهر أول المصنفات فيه ترديدًا للفلسفة اليونانية ومترجمات الهند وفارس ، على يد الفيلسوف المسلم الفارابي ( 260 هـ - 339 هـ / 874م - 950م ) ، المتأثر بالآراء السياسية لأفلاطون وأرسطو ؛ حيث تناول الفلسفة السياسية في عدة كتب منها: رسالات تحصيل السعادة ، السياسة المدنية ، رسالة السياسة ، الفصول المدنية ، آراء أهل المدينة الفاضلة .

وفي منتصف القرن الرابع الهجري ، العاشر الميلادي ( 373 هـ - 983 م ) ظهرت الكتابات السياسية لجماعة"إخوان الصفا وخلان الوفا"متأثرة بنفس المؤثرات التي خضع لها الفارابي ، وكانت السياسة لديها تمثل علمًا مستقلًا بذاته ، له خمسة أقسام: السياسة النبوية ، والسياسة الملوكية ، والسياسة العامية ، والسياسة الخاصية ، والسياسة الذاتية .

ثم في القرن الخامس الهجري ظهرت أول الكتابات السياسية المستقلة عن الفكر الفلسفي ، المتأثرة بالفقه الإسلامي على يد الماوردي في كتابه"الأحكام السلطانية"وأبي حامد الغزالي بكتابه"التبر المسبوك في نصائح الملوك". ثم استمرت مسيرة التدوين في هذا الفن عبر العصور على هذا المنوال .

والجدير بالملاحظة والذكر ، أن التدوين السياسي قد وجد أرضية فكرية وفقهية كونها الصراع السياسي على السلطة ، بعد الانقلاب على الخلافة الراشدة ، وما نتج عنه من تأثيرات في ميادين التفسير والحديث ، والتاريخ والعلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية عامة ، وما كرسه من مفاهيم ومصطلحات وتقاليد وأعراف ، بعضها لها أصول في الشرع ، وبعضها لا أصل لها فيه ، ولكنها توهم بالانتساب إليه بسبب .

وقد ساهمت هذه الأوضاع والمفاهيم والمصطلحات والتقاليد والأعراف المقحمة في الشرع ، في تعطيل نمو الفقه السياسي الإسلامي وتوقفه عن التطور والنضج ، وعاقته عن قيادة حركة المجتمع البشري ، وأوصدت في وجهه آفاق العلم والمعرفة والخبرة .

لا يتسع المجال للتوسع في عرض عوائق تطور الفكر السياسي لدى المسلمين ، لذلك نكتفي بالإشارة إلى بعض ما لا ينبغي غض الطرف عنه مثل:

1 -الاستبداد السياسي الذي لم يدع مجالًا لرأي معارض ، أو فكر محايد ، أو قول صريح ، أو موقف غير مؤيد . فأدى ذلك إلى أن صار الأصل لدى المسلمين هو حماية السلطان . وكل ما عدا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت