فهرس الكتاب
ومما استدل به أبو عمر بن عبد البرعلى الجواز أيضا ما أخرجه مالك (1) عن اسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة , أنه سمع أنس بن مالك يقول: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالا من نخل , وكان أحب أمواله إليه بيرحاء , وكانت مستقبلة المسجد , وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها , ويشرب من ماء فيها طيب , قال أنس: فلما نزلت {لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون } قام أبو طلحة , فقال: يا رسول الله إن الله يقول {لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون } و إن أحب أموالي بيرحاء , وإنها صدقة لله أرجو برّها و ذخرها عند الله , فضعها يا رسول الله حيث شئت . قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"بخ , ذلك مال رابح , ذلك مال رابح , وقد سمعت ما قلت , و إني أرى أن تجعله في الأقربين"فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله , فقسمها أبو طلحة بين أقاربه و بني عمه (2) .
قال أبو عمر (3) "وفيه رد على من أكل الصدقة التطوع للغني من غير مسألة , لأن أقراب أبي طلحة الذين قسم عليهم صدقته تلك , لم يبن لنا أنهم فقراء , ممن يحل لهم أخذ الصدقة المفروضة , وقد ذكر بعض أهل العلم , أن أبي بن كعب , كان من أيسر أهل المدينة , وهو أحد الذين قسم عليهم أبو طلحة صدقته هذه , وقد عارضه بعض مخالفيه , فزعم أن أبيا كان فقيرا , و احتج برواية من روى في هذا الحديث , فقسمها أبو طلحة بين فقراء أقربائه , وهي لفظة مختلف فيها لا تثبت , وعلى أي وجه كان , فإن الصدقة التطوع جائز قبولها من غير مسألة , لكل أحد غنيا كان أو فقيرا , و إن كان التنزه عنها أفضل عند بعض العلماء"ا.هـ.
وكذا قال بن حجر في الفتح"وفيه جواز أخذ الغني من صدقة التطوع إذا حصل له بغير مسألة" (4)
(1) التمهيد 1\121
(2) وفي رواية عند مسلم فجعلها في حسّان بن ثابت و أبي بن كعب , والحديث أخرجه مسلم (998) و البخاري (1461)
(3) التمهيد 1\127
(4) الفتح 5\559