والذوق السليم هو العمدة في معرفة حسن الكلمات وسلاستها وتمييز ما فيها من وجوه البشاعة ومظاهر الاستكراه ، لأن الألفاظ أصوات ، فالذي يطرب لصوت البلبل ، وينفر من أصوات البوم والغربان ، ينبو سمعه عن الكلمة إذا كانت غريبة متنافرة الحروف .
ولأجل أن لتلاؤم الحروف دورًا عظيمًا في الفصاحة ، نركّز في هذا البحث على الخلو من تنافر الكلمة والكلمات ، بأن لا تكون نفس الكلمة ثقيلة على السمع ، كما لا يكون اتصال بعضها ببعض مما يسبب ثقلها على السمع وصعوبة أدائها باللسان ، وبما أن مخارج الحروف مختلفة ، فلا بد في حصول التلاؤم من مراعاة ذلك ، بأن لا يكون بين الحروف بعد أو قرب شديد ، فعندها تظهر الكلمة أو الكلام سهلًا على اللسان ، وحسنًا في الأسماع ومقبولًا في الطباع ، وهذا وإن لم يكن ملاكًا كليًا لتمييز المتلائم من المتنافر إلا أنه ميزان غالبي .
إذا عرفت ذلك فهلمّ معي حتى نرجع إلى القرآن الكريم ونرى نماذج من فصاحته المعجزة: مثلًا: قوله سبحانه:
(( ومن آياته الجوارِ في البحر كالأعلام ) ) (1) .
إن لهذه الآية تميزًا ذاتيًا عن كلام البشر لا يتمارى فيه منصف ، ولا يشتبه على من له ذوق في معرفة فصاحة الكلام ، وذلك التميز رهن فصاحة أبنيتها وعذوبة تركيب أحرفها ، مضافًا إلى سلاسة صيغها والشاهد على ذلك كله الذوق السليم .
من عجائب القرآن أنه يعمد إلى ألفاظ ذات تركيب يغلب عليه الثقل والخشونة ، فيجمعها في معرض واحد ثم ينظم منها آياته ، فإذا هي وضيئة مشرقة ، متعانقة متناسقة ومن نماذج ذلك قوله سبحانه:
(( قالوا تالله تَفْتَؤا تذكر يوسف حتى تكون حَرَضا أو تكون من الهالكين ) ) (2) .
فيها كلمات ثقيلة بمفردها ثقلًا واضحًا في السمع واللسان أعني قوله (( تالله … تفتؤا … حرضا ) )لكنها قد انتظمت مع خمس كلمات أخرى ، فكان من ثمانيتها عقد نظيم يقطر ملاحة وحسنا .