وأيضًا من بدائع القرآن وغرائبه أن يكرر الحرف الثقيل في آية واحدة ولكنه يلطفه بحروف خفيفة بنحو يعلو مجموعه العذوبة والخفة ، مكان الثقل والخشونة ، ومن هذا النوع قوله سبحانه:
(( قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركاتٍ عليك وعلى أممٍ ممن معك وأممٌ سنمتعهم ثم يمسهم منا عذابٌ أليم ) ) (3) .
فقد اجتمعت فيها ثمانية عشر ميمًا منشورة بين كلماتها حتى كأن الآية مشكّلة من ميمات ، ومع هذا فإنك إذ ترتل الآية الكريمة على الوجه الذي يرتل به القرآن ، لا تحس أن هنا حرفًا ثقيلًا قد تكرر تكرارًا غير مألوف بل تجد الآية قد توازنت كلماتها في أعدل صورة وأكملها .
ونظيرها قوله سبحانه:
(( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتُعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك أنت على كل شيء قدير ) ) (4) .
ففي الآية اثنا عشر ميمًا ، قد جاءت في مطلعها ولكنها مع ذلك كأنها ميم واحدة .
ونظيرها أيضًا قوله تعالى:
(( واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قرّبا قربانًا فتُقُبِّل من أحدهما ولم يُتَقَبَّل من الآخر قال لأقتلنّكَ قال إنما يتقبل الله من المتقين ) ) (5) .
فقد جاء فيها أحد عشر قافًا - وهو من أثقل الحروف نطقًا - لو نثرت هذه القافات في كلام أبسط من هذا ، لظهر عليه الثقل ، ولكنها جاءت في هذه الآية من غير أن تحدث قلقًا واضطرابًا وذلك لكثرة الباءات واللامات في الآية لأنهما من أخف الحروف نطقًا ، فأوجبت كثرة دورانها تلطيفًا في الثقل الذي توجبه القاف .
ومثل ذلك قوله سبحانه:
(( لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق ) ) (6) .
ب-البلاغة القرآنية المعجزة: