فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 11

وأيضًا من بدائع القرآن وغرائبه أن يكرر الحرف الثقيل في آية واحدة ولكنه يلطفه بحروف خفيفة بنحو يعلو مجموعه العذوبة والخفة ، مكان الثقل والخشونة ، ومن هذا النوع قوله سبحانه:

(( قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركاتٍ عليك وعلى أممٍ ممن معك وأممٌ سنمتعهم ثم يمسهم منا عذابٌ أليم ) ) (3) .

فقد اجتمعت فيها ثمانية عشر ميمًا منشورة بين كلماتها حتى كأن الآية مشكّلة من ميمات ، ومع هذا فإنك إذ ترتل الآية الكريمة على الوجه الذي يرتل به القرآن ، لا تحس أن هنا حرفًا ثقيلًا قد تكرر تكرارًا غير مألوف بل تجد الآية قد توازنت كلماتها في أعدل صورة وأكملها .

ونظيرها قوله سبحانه:

(( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتُعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك أنت على كل شيء قدير ) ) (4) .

ففي الآية اثنا عشر ميمًا ، قد جاءت في مطلعها ولكنها مع ذلك كأنها ميم واحدة .

ونظيرها أيضًا قوله تعالى:

(( واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قرّبا قربانًا فتُقُبِّل من أحدهما ولم يُتَقَبَّل من الآخر قال لأقتلنّكَ قال إنما يتقبل الله من المتقين ) ) (5) .

فقد جاء فيها أحد عشر قافًا - وهو من أثقل الحروف نطقًا - لو نثرت هذه القافات في كلام أبسط من هذا ، لظهر عليه الثقل ، ولكنها جاءت في هذه الآية من غير أن تحدث قلقًا واضطرابًا وذلك لكثرة الباءات واللامات في الآية لأنهما من أخف الحروف نطقًا ، فأوجبت كثرة دورانها تلطيفًا في الثقل الذي توجبه القاف .

ومثل ذلك قوله سبحانه:

(( لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق ) ) (6) .

ب-البلاغة القرآنية المعجزة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت