البلاغة عند علماء المعاني والبيان عبارة عن مطابقة الكلام لمقتضى الحال ، ويختلف ذلك باختلاف المقام من كونه مقتضيًا للتأكيد أو الإطلاق ، أو الإيجاز أو الإطناب وغير ذلك ، هذا كله مع لزوم اعتبار فصاحة الكلام في تحقق البلاغة .
ولا يخفى أن البلاغة بهذا المعنى لا تكون ركنًا للإعجاز ما لم يضم إليها شيء آخر وهو إتقان المعاني وسموها ، وإلا فالمعاني المبتذلة وإن ألبست أجمل الحلي وعرضت بشكل يقتضيه الداعي إلى التكلم لا توصف بالبلاغة ، وعلى فرض صحة التوصيف لا يكون مثل ذلك الكلام أساسًا للإعجاز ودعامة له ، وهذا مثل ما حكي عن مسيلمة الكذاب حيث قال: (( والطاحنات طحنا ، والعاجنات عجنا ، والخابزات خبزا ) )فأين هذه المفاهيم الساقطة من المعاني العالية السامية الواردة في قوله سبحانه:
(( والعاديات ضبحًا ، فالموريات قدحًا ، فالمغيرات صبحًا ) ) (7) .
فاللازم في البحث عن بلاغة القرآن التركيز على أمرين:
1-مطابقة الكلام لمقتضى الحال .
2-سمو المعاني وعلو المضامين .
ثم أن دراسة القرآن من حيث كونه مطابقًا للأحوال المقتضية وما فيه من فنون المجاز والاستعارة يحتاج إلى تفسير حافل ، يفسّر القرآن من هذا الجانب ، ولعل من أحسن ما كتب في هذا الموضوع الكشّاف للزمخشري ( م/528 ) وتلخيص البيان في مجازات القرآن للسيد الرضي ( م/406) قال الشريف الرضي في مقدمة كتابه:
(( كان الحكيم سبحانه ، لم يورد ألفاظ المجازات لضيق العبارة عليه ، ولكن لأنها أجلى في أسماع السامعين وأشبه بلغة المخاطبين ) ).
وقال الزمخشري في رسالته حول إعجاز سورة الكوثر: