فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 11

(( انظر ، كيف نظّمت النظم الأنيق ورتّبت الترتيب الرشيق ، حيث قدّم منها ما يدفع الدعوى ويرفعها ، وما يقطع الشبهة ويقلعها (( إنا أعطيناك الكوثر ) )ثم لمّا يجب أن يكون عنه مسببا وعليه مترتبا (( فصل لربك وانحر ) )ثم ما هو تتمة الغرض من وقوع العدو في مغوّاته التي حفر ، وصلْيه بحرِّ ناره التي سعر (( إن شانئك هو الأبتر ) ))) .

ثم إن التالي لآيات الذكر الحكيم - إذا كان ممعنًا في تلاوته - يرى في كل سورة وآية عظة وتنبيهًا ، وإعلامًا وتذكيرًا ، وترغيبًا وترهيبًا ، وتشريعًا وتقنينًا ، وقصصًا وعبرًا ، وبراهين وحججًا ، ترقى بروح الإنسان وتحلّق بها في سماء المعنويات ، فهذه المعاني العالية السامية إذا حملتها ألفاظ فصيحة ، وصيغت بنظم رصينة وألقيت على مقتضى الحال بهرت العقول ، وخلبت النفوس ، وسلمت بعجزها عن معارضته والإتيان بمثله .

وإلى هاتين الدعامتين من إعجاز القرآن أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله:

(( ظاهره أنيق وباطنه عميق ) ) (8) .

واعترف بذلك عدوه الوليد بقوله:

(( وإن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وإنه ليعلو ولا يعلى عليه ) ) (9) .

إن للقرآن طريقة موحدَّة في التعبير يتخذها في أداء جميع الأغراض على السواء حتى أغراض البرهنة والجدل ، وتلك طريقة صوغ المعاني العالية في قالب التجسيم والتمثيل ، وإليك نماذج في ذلك:

1-يعبر عن النفور الشديد من دعوة الإيمان بقوله:

(( كأنهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَة ، فَرَّت من قَسْوَرَة ) ) (10) .

2-يعبر عن عجز الآلهة التي يعبدها المشركون بقوله:

(( إن الذي تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له وإن يسلُبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه … ) ) (11) .

3-يعبر عن حالة تخلي الأولياء عن تابعيهم أمام هول القيامة هكذا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت