(( انظر ، كيف نظّمت النظم الأنيق ورتّبت الترتيب الرشيق ، حيث قدّم منها ما يدفع الدعوى ويرفعها ، وما يقطع الشبهة ويقلعها (( إنا أعطيناك الكوثر ) )ثم لمّا يجب أن يكون عنه مسببا وعليه مترتبا (( فصل لربك وانحر ) )ثم ما هو تتمة الغرض من وقوع العدو في مغوّاته التي حفر ، وصلْيه بحرِّ ناره التي سعر (( إن شانئك هو الأبتر ) ))) .
ثم إن التالي لآيات الذكر الحكيم - إذا كان ممعنًا في تلاوته - يرى في كل سورة وآية عظة وتنبيهًا ، وإعلامًا وتذكيرًا ، وترغيبًا وترهيبًا ، وتشريعًا وتقنينًا ، وقصصًا وعبرًا ، وبراهين وحججًا ، ترقى بروح الإنسان وتحلّق بها في سماء المعنويات ، فهذه المعاني العالية السامية إذا حملتها ألفاظ فصيحة ، وصيغت بنظم رصينة وألقيت على مقتضى الحال بهرت العقول ، وخلبت النفوس ، وسلمت بعجزها عن معارضته والإتيان بمثله .
وإلى هاتين الدعامتين من إعجاز القرآن أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله:
(( ظاهره أنيق وباطنه عميق ) ) (8) .
واعترف بذلك عدوه الوليد بقوله:
(( وإن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وإنه ليعلو ولا يعلى عليه ) ) (9) .
إن للقرآن طريقة موحدَّة في التعبير يتخذها في أداء جميع الأغراض على السواء حتى أغراض البرهنة والجدل ، وتلك طريقة صوغ المعاني العالية في قالب التجسيم والتمثيل ، وإليك نماذج في ذلك:
1-يعبر عن النفور الشديد من دعوة الإيمان بقوله:
(( كأنهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَة ، فَرَّت من قَسْوَرَة ) ) (10) .
2-يعبر عن عجز الآلهة التي يعبدها المشركون بقوله:
(( إن الذي تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له وإن يسلُبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه … ) ) (11) .
3-يعبر عن حالة تخلي الأولياء عن تابعيهم أمام هول القيامة هكذا: