لحظة واحدة, فلا يقول قولا و لا يعمل عملا إلا و هو يستحضر الإيمان بالآخرة , فتارة يخبر الله عز و جل بها إخبارا مؤكدا كما قال تعالى: إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا) طه: 15)
و تارة يقسم الله عز و جل بوقوعها كما قال تعالى: وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (الذاريات: 1 - 6)
و تارة يأمر نبيه بالإقسام على وقوعها كما قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَاتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَاتِيَنَّكُمْ (سبأ: 3)
و تارة يذم الله عز و جل المكذبين بها كما قال تعالى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاء اللّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ يونس:45
و تارة يمدح المؤمنين بها كما قال تعالى: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ (البقرة:177)
و تارة يخبر الله عز و جل بقرب يوم القيامة كما قال تعالى: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبا ً (المعارج:6 - 7)
فلا تكاد تقلب ورقة من المصحف حتى ترى خبر الآخرة, و لو ذكر الله ذلك في موضع واحد لكان كافيا في وجوب الإيمان بها, و لكن القرآن يكرر ذلك على القلوب حتى يقوى الإيمان بها فكيف العبد قلبه و جوارحه عن المعاصي و يحسبها على الطاعات لأن الإيمان بالآخرة استقر في قلبه, و كان القرآن المكي كذلك تذكرة بالآخرة, و تقويه للإيمان بها ثم نزلت بعد ذلك الفرائض و الأحكام.
عن عائشة رضى الله عنها قالت: أول ما نزلت من القرآن سورة فيها ذكر الجنة و النار- تعنى رضى الله عنها- سورة المدثر و هي ثاني سورة و فيها يقول جل و علا: فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ { (المدثر:8) . و قوله جل و علا:} وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَة ً { (المدثر:31) و قوله جلا و علا:} كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ (المدثر:38 - 41) حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال و الحرام, و لو نزل من أول الأمر"لا تزنوا"لقالوا لا ندع الزنا أبدا, و لو نزل"لا تشربوا الخمر"لقالوا لا مدع الخمر أبدا.
أنزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - و أنا جارية ألعب: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (القمر:46) و ما نزلت البقرة و النساء إلا و أنا عنده في المدينة.
و مما ربى الله عز و جل به الإيمان كذلك في قلوب الصحابة فرض قيام الليل في ابتداء الدعوة.