روى مسلم عن عائشة رضى الله عنها قالت: فرض الله عز و جل على نبيه - صلى الله عليه وسلم - قيام الليل فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - و قام الصحابة معه حولا كاملا, و احتجز الله عز و جل خاتمة السورة اثنا عشر شهرا ثم نزل بعد ذلك التخفيف.
و إنما قصدت رضى الله عنها الأمر بقيام الليل في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (المزمل:1 - 6)
و قصدت بالتخفيف الآية الأخيرة من السورة و هي قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآن ِ (المزمل:20)
فعلاج ضعف الإيمان إذن إنما يكون بالتذكير بالآخرة و تلاوة القرآن الذي يتضمن أعظم التذكير و أطيبه و تربية الإيمان كذلك بالطاعات بالقيام و الصيام و سائر القربات, و إنما قصدت بهذه الرسالة اللطيفة أن تكون تذكرة سريعة لمن لا يتسع وقته للمصنفات الكبار و مطالعة ما صنفه العلماء الأخيار في سائر الأعصار, فقد ضعفت الهمم و تقاصرت الأعمار , و تشاغل الناس بدنياهم عن دار القرار, و القلوب لا تصلح إلا بالوعظ و التذكير و التبشير و التحذير, عن أنس رضى الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا. قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار". [1]
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: و القدر الواجب من الخوف ما حمل على أداء الفرائض و اجتناب المحارم, فإن زاد على ذلك بحيث صار باعثا للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات و الانكفاف من دقائق المكروهات و التبسيط في فضول المباحات كان ذلك فضلا محمودا, فإن تزايد على ذلك بأن أورث مرضا أو موتا, أو هما لازما بحيث يقطع عن السعى في اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة لله عز و جل لم يكن محمودا. التخويف من النار (18) مكتبة الإيمان.
و قد أنذر الله عز و جل بالنار و أمر المؤمنين بأخذ الوقاية من التعرض لها و بين خطرها فقال تعالى: كَلَّا وَالْقَمَرِ * وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ * إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ * نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ * لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّر َ (المدثر:32 - 37)
قال الحسن: و الله ما أنذر العباد بشىء أدهى منها.
و قال تعالى: فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (الليل:14)
(1) رواه مسلم (4/ 150) , 151) الصلاة, و أحمد (3/ 170) .