النار
صفة جهنم و أهوالها و أنكالها:
قال الغزالى رحمه الله:
يا أيها الغافل عن نفسه, المغرور بما هو فيه من شواغل هذه الدنيا المشرفة على الانقضاء, و الزوال, دع التفكير فيما أنت مرتحل عنه, و اصرف الفكر إلى موردك, فإنك أخبرت بان النار مورد للجميع, إذ قيل: وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (مريم: 71 - 72)
فأنت من الورود على يقين و من النجاة في شك, فاستشعر في قلبك هول ذلك المورد فعساك تستعد للنجاة منه, و تأمل في حال الخلائق و قد قاسوا من دواهي القيامة ما قاسوا, فبينما هم في كربها و أهوالها وقوفا ينتظرون حقيقة أنبائها و تشفيع شفائعها, إذ أحاطت بالمجرمين ظلمات ذات شعب و أطلت عليهم نار ذات لهب, و سمعوا لها زفيرا و جرجة تفصح عن شدة الغيظ و الغضب, فعند ذلك أيقن المجرمون بالعطب و جثت الأمم على الركب, حتى أشفق البراء من سوء المنقلب, و خرج المنادى من الزبانية قائلا: أين فلان بن فلان المسوف نفسه في الدنيا بطول الأمل, المضيع عمره في سوء العمل, فيبادرونه بمقامع من حديد, و يستقبلونه بعظائم التهديد, و يسوقونه إلى العذاب الشديد, و ينكسونه في قعر الجحيم, و يقولون له: ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيم ُ (الدخان:49) . فاسكنوا دارا ضيقة الأرجاء, مظلمة المسالك, مبهمة المهالك, يخلد فيها الأسير, و يوقد فيها السعير, شرابهم فيها الحميم, و مستقرهم الجحيم, الزبانية تقمعهم, و الهاوية تجمعهم, أمانيهم فيها الهلاك, و ما لهم منها فكاك, قد شدت أقدامهم إلى النواصي, و اسودت وجوههم من ظلمة المعاصي, ينادون من أكنافها و يصيحون في نواحيها و أطرافها: يا مالك قد حق علينا الوعيد, يا مالك قد نضجت منا الجلود, يا مالك أخرجنا منها فإنا لا نعود.
فتقول الزبانية: هيهات لات حين أمان, و لا خروج لكم من دار الهوان, فاخسأوا فيها و لا تكلمون, و لو أخرجتم منها لكنتم إلى ما نهيتم عنه تعودون, فعند ذلك يقطنون و على ما فرطوا في جنب الله يتأسفون, و لا ينجيهم الندم, و لا يغنيهم الأسف, بل يكبون على وجوههم مغلولين, النار من فوقهم, و النار من تحتهم, و النار عن أيمانهم, و النار عن شمائلهم فهم غرقى في النار, طعامهم نار, و شرابهم نار, و لباسهم نار, و مهادهم نار, فهم بين مقطعات النيران و سرابيل القطران و ضرب المقاطع و ثقل السلاسل, فهم يتجلجلون في مضايقها, و يتحطمون في دركاتها, و يضربون بين غواشيها, تغلى بهم النار كغلى القدور, و يهتفون بالويل و العويل, و مهما دعوا بالثبور صب من فوق رؤوسهم الحميم, و يصهر به ما في بطونهم و الجلود و لهم مقامع من حديد, تهشم بها جباههم فينفجر الصديد من أفواههم, و تنقطع من العطش أكبادهم, و تسيل على الخدود احداقهم, و يسقط من الوجنات لحومها و هم مع ذلك يتمنون الموت فلا يموتون. [1]
(1) إحياء علوم الدين (2986 - 2988)