و إن قالوا وجد الكون صدفة فالجواب الصدفة لا تطلق على إيجاد شيء من لا شيء و إنما تطلق على حدوث شيء غير متوقع فالصدفة تختص بالفعل لا الفاعل ولا تعني عدم وجود فعل ففعل الشيء صدفة لا يعني عدم وجود فاعل له و لكن يعني أن هذا الشيء فعل و لم يتوقع فعله .
و إن قيل نقصد بالصدفة كون الكون تطور من حالة أولية تسودها الفوضى إلى حالة منظمة كما نراها اليوم من دون الحاجة إلى منظم لهذا التطور فالجواب إن قولكم بأن الكون تطور من حالة أولية تسودها الفوضى إلى حالة منظمة خروجا عن المسألة عن أصلها ؛ فإخراج الكون من العدم أعظم من وجود منظم للكون أو عدم وجود منظم و لذلك يقال لكم و من الذي أوجد الحالة الأولية التي تحولت فيما بعد لحالة منتظمة متناسقة ؟
و إن قيل الكون خلق نفسه بنفسه فالجواب الكون قبل أن يكون كونا كان عدما والعدم ليس بشيء حتى يخلق فعاد السؤال من الذي خلق الكون ؟
و إبطال الاحتمالات السابقة فلا يبقى إلا أن يكون للكون إله خالق ألا و هو الله .
وتوضيح آخر لدليل الحدوث وهو أن ما شاهدناه في ماضينا من الكائنات ، وما نشاهده منها في حاضرنا ممكن: أي جائز الوجود ، والعدم؛ وذلك لأنا نراه يتحول من عدم إلى وجود ، ومن وجود إلى عدم ، وهذا التغير والتحول دليل إمكانه ، إذ لو كان واجبا لما سبق وجوده العدم ، ولما لحقه فناء ، ولو كان مستحيلا لما قبل الوجود لأن المستحيل لذاته لا يوجد ، وحيث إننا قد شاهدناه موجودا بعد عدم ثبت أنه ممكن .
وحيث ثبت أن العالم ممكن ، والممكن ما استوى طرفاه - الوجود والعدم- بالنسبة إلى ذاته ، فوجوده ليس من ذاته ، وعدمه بعد وجوده ليس من ذاته ، إذن لا بد له من سبب يرجح وجوده على العدم ، إذ لو وجد بدون سبب خارج عن ذاته وحقيقته للزم ترجيح أحد المتساويين على الآخر بلا مرجح ، وهو باطل.