الصفحة 4 من 24

ولو أوجد الممكن نفسه للزم من ذلك أن يكون متقدما على نفسه باعتباره خالقا لها ، ومتأخرا على نفسه باعتباره مخلوقا لها ، وتقدم الشيء على نفسه ، وتأخره عنها محال بالضرورة لما فيه من التناقض الواضح ، فثبت أن الممكن لا بد له من موجد غير ذاته وحقيقته ، يوجده ويدبر شئونه في كل أحواله ، هذا المغاير: إما المستحيل ، وإما الواجب ، لا جائز أن يكون موجده هو المستحيل ؛ لأن المستحيل غير موجود فلا يؤثر ، ولأن فاقد الشيء لا يعطيه. فثبت أن موجده هو الواجب ، وهو الله- تعالى- [1] .

و إن ما نشاهد في هذا الكون من وضع كل شيء في الكون في موضعه ، وكل ما في الكون محكم الصنع و النظم أزهار مختلفة اللون و الرائحة و الشكل و حيوانات مختلفة الأجناس و أسماك مختلفة الأجناس لدليل على وجود منظم بديع لهذا الكون ألا و هو الله و لو قال قائل إن قصرا جميل البنيان باهر الألوان لم يبنيه أحد بل وجد من غير واجد و من غير باني لاعتبره الناس من السفهاء فكيف بهذا الكون من بحار و أنهار ومحيطات وجمادات و حيوانات و نباتات و غير ذلك ؟!!.

و نجد في هذا الكون كل شيء له خواص خاصة به لا يمكن أن ينفك عنها بل هي مفروضة عليه فرضا فالأشياء تحتاج لمن يضع لها هذه الخواص الماء يحتاج لدرجة حرارة معينة كي يغلي الحديد يحتاج لدرجة حرارة معينة كي يتحول لحالة سائلة البذرة تحتاج إلى ماء معينة و أكسجين و تربة معينة كي تنبت وما يطير في الجو انخفاضًا وارتفاعًا محكوم بقانون ، وما يلقى في الماء من أجسام غوصًا وطفوًا وسبحًا مضبوط بقانون . وما ينبت في الأرض من نبات فيختلف طعمه ولونه وثمره خاضع لقانون فمن الذي أودع في الأشياء هذه الخواص و هذه القوانيين ؟ إنه الله .

(1) - مذكرة التوحيد لعبد الرزاق عفيفي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت