فهرس الكتاب
وإنه إذا لم تجب طاعته إلا فيما وافق القرآن لا فيما زاد عليه، لم يكن له طاعة خاصة تختص به، وقد قال الله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [1] ، فكيف يمكن لأحد من أهل العلم ألا يقبل حديثا زائدا على كتاب الله، فلا يقبل حديث تحريم المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا حديث التحريم بالرضاعة لكل ما يحرم من النسب"، ثم ذكر كثيرا من الأمثلة."
ومما لا شك فيه أن الاستقراء يدل على أن في السنة أشياء لا تحصى كثرة لم ينص عليها القرآن، كتحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وألا يقتل مسلم بكافر، إلى غير ذلك، فلا مناص من الاعتراف بأحكام في الشريعة لم تثبت إلا في السنة وحدها.
وقد أشار الرسول ? إلى هؤلاء المكابرين ذامًّا لهم ومحذرًا منهم، ويقول (لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر بما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) [2] وحذر الشاطبي منهم فقال:"إن الاقتصار على الكتاب رأي قوم لا خلاق لهم، خارجين عن السنة، إذ عولوا علىما بنيت عليه من أن الكتاب فيه بيان كل شيء، فاطرحوا أحكام السنة، فأداهم ذلك إلى الانخلاع عن الجماعة، وتأويل القرآن على غير ما أنزله الله [3] ."
فأنت ترى بعد ذلك أن سنة رسول الله ? ثروة خصبة في بيان مجمل القرآن، وتخصيص عامه، وتقييد مطلقه، وتشريع أحكام لم يأت لها نص في القرآن، وهي مادة غزيرة تغذي الفقه الإسلامي، وتنمي أحكام شريعته، ومن قبل عن رسول الله فعن الله قبل، لأن الله افترض طاعة رسوله، ولا يحل لمسلم علم ما في الكتاب وما في السنة أن يقول بخلاف واحد منهما [4] #.
ذكر السنن التي هي تفسير لما افترضه الله
مجملا مما لا يعرف معناه بلفظ التنزيل دون بيان النبي ? وترجمته [5]
قال أبو عبد الله: وجدت أصول الفرائض كلها لا يعرف تفسيرها ولا تنكر تأديتها ولا العمل بها إلا بترجمة من النبي ? وتفسير منه، ومن ذلك: الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، قال الله عز وجل: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [6] فأجمل فرضها في كتابه ولم يفسرها، ولم يخبر بعددها وأوقاتها فجعل رسوله هو المفسر لها والمبين عن خصوصها وعمومها وعددها وأوقاتها وحدودها وأخبر النبي ? أن الصلاة التي افترضها الله هي خمس صلوات في اليوم والليلة في الأوقات التي بينها وحددها، فجعل صلاة الغداة ركعتين، والظهر والعصر والعشاء أربعا أربعا، والمغرب ثلاثا وأخبر أنها على العقلاء البالغين من الأحرار والعبيد ذكورهم وإناثهم، إلا الحيض فإنه لا صلاة عليهن وفرق بين صلاة الحضر والسفر، وفسر عدد الركوع والسجود والقراءة وما يعمل فيها من التحريم بها، وهو: التكبير، إلى التحليل منها، وهو: التسليم. وكذلك فسر النبي ? الزكاة بسنته فأخبر أن الزكاة إنما تجب في بعض الأموال دون بعض على الأواقات والحدود التي حدها وبينها، فأوجب الزكاة في العين من الذهب والفضة والمواشي من الإبل والغنم والبقر السائمة، وفي بعض ما أخرجت الأرض دون بعض وعفا عن سائر الأموال، فلم يوجب فيها الزكاة، ولم يوجب الزكاة فيما أوجبها فيه من الأموال ما لم تبلغ الحدود التي حدها، فقال:"ليس في أقل من خمس أواق من الورق صدقة، ولا في أقل من خمسة أوسق [صدقة] ، ولا في أقل من خمس ذود صدقة" [7] "ولا في أقل من أربعين من الغنم صدقة" [8] ،"ولا في أقل من ثلاثين من البقر" [9] .
(1) سورة النساء آية 80.
(2) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح.
(3) انظر الموافقات ج4 ص 120.
(4) كتاب التشريع والفقه الإسلامي تاريخا ومنهجا للشيخ مناع القطان ص 69 - 73.
(5) السنة للشيخ محمد بن نصر المروزي رحمه الله تعالى ص 31 - 33.
(6) سورة النساء آية 103.
(7) أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما بألفاظ متقاربة.
(8) رواه أحمد والبخاري والنسائي وأبو داود بمعناه، وهو حديث طويل.
(9) رواه أصحاب السنن بمعناه.