وما نقل عن الإمام أبي حنيفة من تجويزه لقراءة القرآن بالفارسية من غير عذر، فقد صح رجوعه عن هذا القول، قال صاحب (( فواتح الرحموت ) ):"وقد صح رجوع أبي حنيفة - رضي الله عنه - عن القول بجواز الصلاة بالفارسية بغير عذر، واختاره القاضي والإمام أبوزيد وعامة المحققين، وعليه الفتوى" (1) .
وجاء في تيسير التحرير:"ولاعتبار قيد العربي في ماهيته رجع أبوحنيفة بعدما تحقق عنده اعتباره فيه عن صحة الصلاة للقادر على العربي إذا عَبَّر عن المضمون القرآني بالفارسية ... ؛ لأن المأمور به في قوله تعالى: { فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ } (المزمل: 20) ، قراءة مسمى القرآن" (2) .
ولأن القول بذلك يلزم منه بطلان تعريف القرآن، لأن الفارسية غير مكتوبة في المصاحف، ولأنه يلزم منه جواز الصلاة بدون القرآن، لأن القرآن اسم للنظم والمعنى الربانيين العربيين، والفارسية لا تصدق لا على اللفظ ولا على المعنى (3) .
وقد علّق ابن العربي على ما نسب إلى أبي حنيفة عند تفسيره لقوله تعالى: { وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ } (فصلت:44) بقوله: (( قال علماؤنا: هذا يبطل قول أبي حنيفة في قوله: إن ترجمة القرآن بإبدال اللغة العربية فيه بالفارسية جائز؛ لأن الله تعالى قال: { وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ } نفى أن يكون للعجمة إليه طريق، فكيف يصرف إلى ما نهى الله عنه…؟"ثم قال:"إن التبيان والإعجاز إنما يكون بلغة العرب، فلو قلب إلى غير هذا لما كان قرآنًا ولا بيانًا ولا اقتضى إعجازًا"(4) ."
(1) فواتح الرحموت 2: 8 (هامش المستصفى للغزالي) .
(2) تيسير التحرير 3: 4 .
(3) انظر: فيض الرحموت في الأحكام الفقهية الخاصة بالقرآن ص33، 34 .
(4) أحكام القرآن لابن العربي 4: 1665 .