الصفحة 7 من 27

ولكن عند استعراضه للسجلات اللغوية التي تصلح للترجمة باستخدام النظرية الدلالية، رغم قصورها في نقل الوظائف التواصلية للغة، لم يترك (نيومارك) شيئًا للنظرية التواصلية. فالقائمة التي وضعها تتضمن النصوص الدينية والفلسفية والسياسية والعلمية والأدبية. ونحن من جانبنا نقول: إنه باستثناء النصوص العلمية، لا يمكن للنظرية الدلالية أن تتعامل مع باقي الأنواع لأن دور المترجم حينئذ لن يقتصر على التعامل مع لغتين فحسب، بل مع ثقافتين متباينتين تباينا تتسع هوته أو تضيق بحسب طبيعة العلاقة بين الثقافات المختلفة. أما ترجمة النصوص العلمية، فقد باتت من العمليات التي يقوم بها الحاسوب بكفاءة منقطعة النظير نظرًا لتجردها من الخلفية الثقافية، وهي ما اصطلح عليه بالترجمة الآلية: أهم تطبيقات اللسانيات الحاسوبية أو الذكاء الاصطناعي.

ومن الواضح بعد هذا الاستعراض المقتضب لأهم نظريات الترجمة التي ظهرت واتضحت في النصف الثاني من القرن العشرين أن السواد الأعظم ممن قاموا بترجمة معاني القرآن الكريم على مر العصور قد اتخذوا من النظرية الدلالية منهجا لهم. ولا نزعم هنا أنهم قرؤوها ثم انحازوا لها وقاموا بتطبيقها عن اقتناع علمي، ولكن ما نود قوله أن هذه الترجمات، سواء صدرت قبل تطور تلك النظريات أو بعدها، تندرج تحت النظرية الدلالية من ناحية التصنيف ليس إلا. والمطالع المتأني لتلك الترجمات سيدرك حتما ما بذل فيها من جهد ووقت، وهو ما لا يستطيع منصف إنكاره، بيد أنها ترجمات صدرت في معظم الأحيان عن مترجمين من غير الناطقين بالعربية أو الإنجليزية كلغة أصلية، أي أن اللغتين المصدر والهدف لا ترقيان عندهم إلى مستوى اللغة الأم مهما بلغت درجة الإتقان، وهذه حقيقة علمية تؤكدها أحدث البحوث في اللسانيات النفسية. وإذا كان الاستثناء من القاعدة واردا، إلا أن حالاته قليلة وأنماطه محسوبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت