الصفحة 9 من 27

وقد نلتمس العذر لمترجم معاني القرآن الكريم إذا أخفق في الوصول إلى المكافئ الدقيق لهذا التعبير الاصطلاحي أو ذاك، لأن التعابير الاصطلاحية تختلف جذريا عن صنوف المفردات الأخرى. فهي من المتلازمات ذات المعنى المجازي، وتتسم في جملتها بخاصية الثبات نتيجة لجريانها على ألسنة الناس لفترات طويلة قبل أن تصبح مسكوكات لغوية متداولة على نطاق واسع لا يخطئ من يسمعها من أهل اللغة في فهم معناها ومغزاها.

كما تتنوع التعابير الاصطلاحية في بناها النحوية والدلالية: فمنها ما هو مركب اسمي أو فعلي، ومنها ما هو شبه جملة أو جملة تامة بكل أنواعها. ومن التعابير الاصطلاحية ما يصف حدثا أو يعقد مقارنة، ومنها ما يسبغ نعتا أو يستخدم رمزا للإسقاط على متغير اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي. ويمثل كل تعبير اصطلاحي وحدة معجمية قائمة بذاتها، أي مدخل واحد بصرف النظر عن عدد مكوناته، وبالتالي فكل منها وحدة ترجمية مستقلة.

وترجمة التعابير الاصطلاحية تختلف في منهجها عن مناهج الترجمة الأخرى، لأن المكافئ فيها ثقافي بقدر ما هو لغوي، والمكافئ فيها تعبير مقابل تعبير. ومن هنا تتمخض معظم محاولات ترجمة التعابير الاصطلاحية عن إدراجها تحت ما يسمى بـ"حدود المترجم"وذلك لشيوع فكرة خاطئة بين جمهور عريض من المترجمين، منظرين كانوا أم ممارسين، مؤداها أن التكافؤ في مسألة التعابير الاصطلاحية ليس من اختصاص المعاجم الثنائية اللغة التي تقتصر مهمتها-كما يزعمون- على إعطاء المقابل الدلالي لا المكافئ التواصلي، أي المعنى المعجمي دون المعنى الاستخدامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت