فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 89

قلت: هذا المعنى الثاني هو المتبادر من الحديث، و المعنى الأول بعيد كل البعد عن سياقه لمن تأمله.

و إن مما يؤيد ذلك لفظ حديث ابن عمر عند أبي داود (666) مرفوعا:"أقيموا الصفوف و حاذوا بالمناكب و سدوا الخلل و لينوا بأيدي إخوانكم، و لا تذروا فرجات للشيطان، و من وصل صفا وصله الله و من قطع صفا قطعه الله".

و إسناده صحيح كما قال النووي، فإنه يوضح أن الأمر باللين إنما هو لسد الفرج، ووصل الصفوف، و لذلك قال أبو داود عقبه:"و معنى"لينوا بأيدي إخوانكم": إذا جاء رجل إلى الصف فذهب يدخل فيه فينبغي أن يلين له كل رجل منكبه حتى يدخل في الصف".

و لذلك استدل به النووي في"المجموع" (4/ 301) على أنه"يستحب أن يفسح لمن يريد الدخول إلى الصف ..".

و ليس يخفى على كل محب للسنة عارف بها أن قول الخطابي:"و لا يحاك منكبه بمنكب صاحبه"مخالف لما كان يفعله أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حين يصلون خلفه، و ذلك تنفيذا منهم لقوله صلى الله عليه وسلم:"أقيموا صفوفكم، فإني أراكم من ورائي". رواه البخاري (725) عن أنس، قال أنس:"و كان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، و قدمه بقدمه".

وله شاهد من حديث النعمان بن بشير، و هما مخرجان في"صحيح أبي داود" (668) .

و قد أنكر بعض الكاتبين في العصر الحاضر هذا الإلزاق، و زعم أنه هيئة زائدة على الوارد، فيها إيغال في تطبيق السنة!

وزعم أن المراد بالإلزاق الحث على سد الخلل لا حقيقة الإلزاق، و هذا تعطيل للأحكام العملية، يشبه تماما تعطيل الصفات الإلهية، بل هذا أسوأ منه لأن الراوي يتحدث عن أمر مشهود رآه بعينه وهو الإلزاق. و مع ذلك قال: ليس المراد حقيقة الإلزاق! فالله المستعان."انتهى"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت