فهرس الكتاب
و قد فعله كبار الصحابة، كما تقدم في الحديث الذي قبله؟! فلذلك فإننا نقطع أن هذا الأمر الأول لا يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم"لا تعد".
و أما الأمر الثاني، فلا نشك في دخوله في النهي لما سبق ذكره من الروايات و لأنه لا معارض له، بل هناك ما يشهد له، و هو حديث أبي هريرة مرفوعا:
"إذا أتيم الصلاة فلا تأتوها و أنتم تسعون، و أتوها و عليكم السكينة و الوقار"الحديث متفق عليه.
و أما الأمر الثالث، فهو موضع نظر و تأمل، و ذلك لأن ظاهر رواية أبي داود هذه:"أيكم الذي ركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف، مع قوله له:"
"لا تعد"، يدل بإطلاقه على أنه قد يشمل هذا الأمر، و إن كان ليس نصا في ذلك لاحتمال أنه يعني شيئا آخر غير هذا مما فعل، و ليس يعني نهيه عن كل ما فعل، بدليل أنه لم يعن الأمر الأول كما سبق تقريره. فكذلك يحتمل أنه لم يعن هذا الأمر الثالث أيضا. و هذا و إن كان خلاف الظاهر، فإن العلماء كثيرا ما يضطرون لترك ما دل عليه ظاهر النص لمخالفته لنص آخر هو في دلالته نص قاطع، مثل ترك مفهوم النص لمنطوق نص آخر، و ترك العام للخاص، و نحو ذلك، و أنا أرى أن ما نحن فيه الآن من هذا القبيل، فإن ظاهر هذا الحديث من حيث شموله للركوع دون الصف مخالف لخصوص ما دل عليه حديث عبد الله بن الزبير دلالة صريحة قاطعة، و إذا كان الأمر كذلك فلابد حينئذ من ترجيح أحد الدليلين على الآخر، و لا يشك عالم أن النص الصريح أرجح عند التعارض من دلالة ظاهر نص ما، لأن هذا دلالته على وجه الاحتمال بخلاف الذي قبله، و قد ذكروا في وجوه الترجيح بين الأحاديث أن يكون الحكم الذي تضمنه أحد الحديثين منطوقا به و ما تضمنه الحديث الآخر يكون محتملا. و مما لا شك فيه أيضا أن دلالة هذا الحديث في هذه المسألة ليست قاطعة بل محتملة، بخلاف دلالة حديث ابن الزبير المتقدم فإن دلالته عليها قاطعة، فكان ذلك من أسباب ترجيحه على هذا الحديث.
و ثمة أسباب أخرى تؤكد الترجيح المذكور:
أولا: خطبة ابن الزبير بحديثه على المنبر في أكبر جمع يخطب عليهم في المسجد الحرام و إعلانه عليه أن ذلك من السنة دون أن يعارضه أحد.
ثانيا: عمل كبار الصحابة به كأبي بكر و ابن مسعود و زيد بن ثابت كما تقدم و غيرهم. فذلك من المرجحات المعروفة في علم الأصول. بخلاف هذا الحديث فإننا لا نعلم أن أحدا من الصحابة قال بما دل عليه ظاهره في هذه المسألة، فكان ذلك كله دليلا قويا