الصفحة 36 من 223

ظلت هذه الدولة نحو أكثر من خمسمائة سنة فماذا قدمت للإسلام ؟ الحكام كانوا يبحثون عن شهواتهم ، ويهتمون بملذاتهم ، هاجم الأوربيون في زحف متتابع طوال مائتي سنة العالم الإسلامي ، فماذا صنعت الخلافة العباسية في بغداد ؟ تم تصنع شيئا . استطاع القرامطة أن يخطفوا الحجر الأسود وظل بأيديهم نحو ربع قرن فما صنع العباسيون شيئا ، فالدولة كانت لاهية ، وكما قال الشاعر: وطني كم صنم مجدته لم يكن يحمل طهر الصنم لا تلوموا الذئب في عدوانه إن يك الراعي عدو الغنم القصة أن الدولة انتهت وقتل الخليفة إلى حيث ألقت. من معجزات الإسلام: هناك ملحظ يعرفه كل دارس للإسلام ، ولعله من معجزات هذا الدين ، ومن خصائص الصدق فيه أنه دين كتب الله له الخلود ، وأنه إذا فقد سلطته التنفيذية على نحو ما فإن جماعات فدائية من الفقهاء والمربين والعباد والعلماء والدعاة ينصحون للأمة، ويتولون قيادها ، ويربطونها بدينها ، وينبعثون في نواحي المجتمع يرعون الأمة التي كان يمكن أن تحصد وأن يذهب بعقائدها ومعالمها لولا أن الله استبقى أولئك العلماء فكانوا - هم من الناحية الشعبية - أولى الأمر الذين استبقوا الأمة الإسلامية صامدة ولها صلابة وجلد في مواجهة الأحداث. فماذا حدث ؟ الذي حدث أن شيئا من قوانين الله الاجتماعية فرض نفسه وهو أن التتر دخلوا في الإسلام ، وذابوا فيه . وكما يقال في عالم المادة: البقاء للأصلح ، وكما عرفنا ربنا في كتابنا (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) وهذا - ص_049

فعلا ـ ما حدث ، فإن فقهاء المسلمين ودعاتهم ومربيهم استبقوا تقاليد الشرف وأصول العقيدة والعبادة ومكارم الأخلاق ، استبقوا النضارة الثقافية لأمتنا فإذا هذه الأمة تبدو أرجح فكرًا وأحسن عقلًا وأضبط نظامًا من التتر ، وبعد أن كان يقال: المغلوب يدخل في دين الغالب ، وقع العكس فدخل الغالب في دين المغلوب !!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت