فهرس الكتاب
وقال ابن دقيق العيد رحمه الله في كتابه الاقتراح:"وللتدليس مفسدة، وفيه مصلحة، أمّا مفسدته فإنه يخفى ويصير الراوي مجهولا فيسقط العمل بالحديث، لكون الراوي مجهولا عند السامع مع كونه عدلا معروفا في نفس الأمر، وهذه خيانة عظمى ومفسدة كبرى، وأمّا مصلحته فامتحان الأذهان في استخراج التدليسات وإلقاء ذلك إلى من يراد اختبار حفظه ومعرفته بالرجال" [1]
(و) التدليس (الذي وقع من بعض الأكابر) من المحدّثين مثل سفيان الثوري والأعمش، وابن عيينة وغيرهم رحمهم الله (ليس لمثل هذا) الغرض الفاسد (بل) لغرض صحيح حيث إنهم دلّسوا الحديث (من جهة وثوقهم) أي من حيث إنهم واثقون ومتأكدون (لصحة الحديث) إذ ثبت لديهم صحة الحديث فلا حاجة إلى ذكر من سمعوا الحديث منه (واستغناء) أي اكتفاء، عطف على وثوقهم (بشهرة الحال) بأنهم أخذوا الحديث عن الثقات.
(قال) أبو العباس تقي الدين (الشمني) [2] وجها آخر في سبب تدليس بعض الأكابر، وهو أنه (يحتمل أن يكون) سبب التدليس أنه (قد سمع) المدلّس (الحديث من جماعة من الثقات) من شيوخه كلّهم رووا إليه هذا الحديث (عن ذلك الرجل) الذي هو شيخ شيوخه (فاستغنى) أي اكتفى (بذكره) أي بذكر ذلك الرجل(عن ذكر أحدهم أو ذكر
جَمِيعِهِمْ لِتَحَقُّقِهِ بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ فِيهِ كَمَا يَفْعَلُ الْمُرْسِلُ
جميعهم)من شيوخه الثقات الذين رووا إليه هذا الحديث عن ذلك الرجل (لتحققه) أي لتأكده وتيقنه (بصحة) ذلك (الحديث فيه) أي في شأن ذلك الرجل (كما يفعل المرسِل) بكسر السين، أي كما أنّ التابعي إذا سمع حديثا واحدا عن كثير من الصحابة فيُرسل الحديث ويرويه عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم استغناء واكتفاء بذكره عن ذكر واحد من الصحابة أو جميعهم.
(1) ابن دقيق العيد، الاقتراح في بيان الاصطلاح، ص: 221
(2) تقدم ترجمته