الصفحة 22 من 457

وقد دافعوا عنه أشدّ الدفاع، وشدّدوا في شروط الرواة وأخذ الحديث وروايته، منذ أن وقعت الفتن بين المسلمين وظهر أهل البدع والأهواء، فكانوا لا يأخذون الحديث إلا من أهل الحق والصدق والصلاح.

وقد روى الإمام مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه بسنده عن التابعي الجليل محمد بن سيرين رحمه الله، قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا سمّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة، فيؤخد حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم [1] .

وقد ظهر في كلّ عصر من العصور مبتدعة وزنادقة، يشوّهون الحق ويخلطونه بالباطل، ويعكرونه ويمزجونه بالكذب على النبي صلى الله عليه وسلم.

كم من أحاديث موضوعة، وكم من آثار مخترعة، وكم من أخبار مصنوعة، وضعها واخترعها وصنعها المبتدعة والزنادقة، ثم تلقاها الجهلة وبعض المتساهلين والمتصوفة، فرووها وأوردوها في كتبهم، وأدخلوها وأدرجوها في برامجهم، بدون تمييز بين حقها وباطلها، وأصيلها ودخليها، ومقبولها ومردودها.

فقيّض الله تعالى المحدّثين الجهابذة من هذه الأمة في كلّ عصر، لتصليح ما شوّهوه وتطهير ما عكروه، فقاموا بواجباتهم تجاه الحق تعالى، فدافعوا عن دينه عامة وعن سنة نبيه وحبيبه خاصة، فميّزوا من الحديث زائفه ومرفوضه، ومزوّره ومردوده، ووضعوا ضوابط وقواعد واصطلاحا، ومعيارا ومقياسا وأصولا، للتمييز بين صحيحه وحسنه وضعيفه ومتروكه وموضوعه وما إلى ذلك، وهذا هو المعني بعلم مصطلح الحديث.

وأوّل من ألف في اصطلاح الحديث - كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في مقدمة شرح النخبة - هو العلامة الحافظ، الإمام البارع، القاضي أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي، المتوفي في حدود سنة 360 هـ، فعمل كتابه المشهور

(1) صحيح مسلم، باب بيان أن الإسناد من الدين:1/ 11

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت