الصفحة 587 من 946

القاعدة السادسة ) القول بالانتقال من الحقيقة إلى المجاز وقف على العلم بماهية الحقيقة ، أي بكيفيتها وكنهها التي هي عليه في الواقع ، فإذا قلت لك:- رأيت أسدا يخطب ، فأنت لا تفهم منه حقيقة الأسد لأن حقيقة الأسد في الحيوان المفترس ، وكيف يكون ذلك الحيوان المفترس خطيبا في الناس ؟ وإنما تفهم من كلامي أنني رأيت رجلا شجاعا كالأسد ، وهذا انتقال صحيح ، لأن حقيقة الأسد كانت متصورة في ذهنك وأبى عقلك حمل الكلام عليها ، وإن قلت لك:- رأيت حمارا في المدرسة جالسا على الكرسي ، فهل بالله عليك تفهم من كلامي أنه الحمار الأهلي المعروف ؟ بالطبع لا ، وإنما تفهم منه أنني رأيت طالبا بليدا غيبا كالحمار ، وكيف لم يحتمل عقلك حمل الكلام هنا على حقيقته ؟ بالطبع ستقول:- لأن حقيقة الحمار معروفة عندي ولا يمكن أن تراد الحقيقة هنا فلما كانت الحقيقة معلومة لديك عرفت أن الحقيقة لا يمكن أن تراد هنا ، فقلت:- إن الحمار هنا لا يراد به حقيقته وإنما يراد به الطالب الغبي البليد ، لكن إن سمعت قول الله تعالى"لما خلقت بيدي""بل يداه مبسوطتان""ويبقى وجه ربك""وجاء ربك"وغير ذلك مما يضاف من الصفات لله تعالى ، فهل ستقول إنه لا يراد به حقيقته، وإنما يراد به مجازه ؟ إن قلت ذلك فسأقول لك:- وهل أنت تعلم أصلا حقيقة هذا الكلام وكيفيته التي هو عليها في الواقع ، ثم أبى عقلك حمل الكلام على هذه الحقيقة ؟ هل أنت تعلم حقيقة يد الله تعالى ، هل تعلم حقيقة وجه الله تعالى هل تعلم حقيقة عين الله تعالى ، هل تعلم حقيقة مجيء الله تعالى ؟ هل تعلم حقيقة شيء من ذلك ؟ إن قلت:- لا ، فسأقول لك:- وكيف تنتقل من الحقيقة التي أنت أصلا لا تعرفها ، إلى المجاز فما وجه هذا الانتقال ، وأنت جاهل بالحقيقة التي انتقلت عنها ؟ وقد اشترطنا أن الانتقال عن الحقيقة إلى المجاز فرع عن العلم بالحقيقة وكيفيتها ، وحقائق صفات الله تعالى لا يعلم أحد من الخلق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت