فهرس الكتاب
في فقه هذا الواعظ وميزانه ، يزداد الذين يجب أن يكونوا مع البهائم كثرة ، وإنها لكثرة تدعو إلى الحزن والأسف ، لأنها سبب الهلاك والخسران في الأمم والشعوب ، والأفراد والجماعات ، ويبقى الناس ما بقي حياؤهم ، ويذهبون بذهابه ، وصدق الذي قال:"إذا أراد الله بعبد هلاكًا ، نزع منه الحياء ، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتًا ممقتًا".
إذا لم تخش عاقبة الليالي ولم تستح فاصنع ما تشاء
ففيم يختصمون ؟!
حين ولي أبو بكر - رضي الله عنه - خلافة المسلمين ، بعد انتقال الرسول - صلى الله عليه وسم - إلى الرفيق الأعلى ، ولى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أمر القضاء في المدينة ، فبقي مدة من الزمن ليست بالقصيرة ، لم يختصم إليه إنسان ، ولم يختلف في مجلسه اثنان ، فجاء أبا بكر طالبًا إعفاءه ، فقال له: أمن مشقة القضاء تطلب الإعفاء يا عمر ؟!
فقال عمر: لا يا خليفة رسول الله ، ولكن ليس بي حاجة عند قوم مؤمنين ، عرف كل منهم ما له من حق ، فلم يطلب أكثر منه ، وما عليه من واجب ، فلم يقصر في أدائه ، أحب كل منهم لأخيه ما يحب لنفسه ، إذا غاب أحدهم تفقدوه ، وإذا مرض عادوه ، وإذا افتقر أعانوه ، وإذا احتاج ساعدوه ، وإذا أصيب واسوه ، دينهم النصيحة ، وخلقهم الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، ففيم يختصمون ؟! .
نعم ، ففيم يختصمون ؟!!
ولماذا يختصمون ؟!
وعلى ماذا يختصمون ؟!
وأي شيء هذا الذي يستحق أن يختصموا عليه ؟! أو أن يتدابروا لأجله ؟!
قوم بهذه الأخلاق .. لا حاجة بهم إلى قضاة ..
قوم صدقوا في إيمانهم .. لا حاجة بهم إلى محاكم ومحاكمات .. حتى تستقيم حياتهم ، وتزكو نفوسهم ..
قوم على الإيمان ، صفاتهم .. عرفوا ما لهم فلم يتجاوزوه ، وما عليهم فما أنكروه .. علام يختلفون ، وفيم يختصمون ؟!