فهرس الكتاب
كانت بداية موفقة استطاع عمر - رضي الله عنه - بها إن يصون نفسه ، ويحفظ مجلسه ، باختياره من يصحبونه ويجلسون إليه .. يحدثهم ويحدثونه ، فقطع السبل ، وسد المنافذ على أولئك الذين يتقنون فنون"النفاق"شعرا أو نثرا أو عملا ، وفي الوقت نفسه فتح الباب للمصلحين المخلصين .. الذين يذكرون عند النسيان ، ويعينون عند الذكر ، ويأمرون وينهون..
وسرعان ما وصلت الرسالة ، وفهم الناس مضمونها ، فانقشعت عنه (خيمة) و (غيمة) الوصوليين من الشعراء والخطباء التي طالما أظلت فأضلت كثيرا من خلق الله ، الذين ركنوا إلى زخارف الأقوال ، وبريق الثناء والمديح ، فضاعت بسببهم الحقوق ، و أهدرت الأموال والأوقات في غير نفع أو فائدة، فضاقت مساحة الامل، وكثر الشاكون المتألمون، وازداد الفقراء فقرا، وتضخمت ثروات الأغنياء.. وعلا أقوام بنفاقهم وتزلفهم ، وكثرة كذبهم . وغيب آخرون لصدقهم وإخلاصهم ..
ولما انقشعت تلك (الخيمة) ظللت (الرجل) خيمة العلماء والفقهاء والزهاد ، الذين قالوا:"ما يسعنا إن نفارق هذا الرجل حتى يخالف فعله قوله"فطاب ذكره، وحمد الناس سيره ، واقتفى الصالحون أثره ..
وحري بالرجل العاقل ، والباحث عن حسن الخاتمة أنى كان موقعه إن ينتقي لمجالسه، وأن يتشدد في مصاحبته عملا بسنة المختار صلى الله عليه وسلم الذي أخبرنا أن المرء علي دين خليله"فلينظر أحدكم من يخالل"واقتداء بمنهج الأخيار الذين أكدوا أن الصاحب ساحب ..
وحرصا على سلامة القلوب ، وحفاظا على نقاء الأوقات، وإقداما في ميدان الخيرات ، لابد أن تتبوأ الشروط الخمسة التي أشار إليها ( عمر ) مكانا عليا في حياتنا ، ونتخذها ميزانا نزن به الإخوان ، نقدم على أساسه ونؤخر.
أين المروءة فيه ؟!
قيل لسفيان بن عيينة - رحمه الله -: قد استنبطت من القرآن كل شيء ، فأين المروءة فيه ؟!
فقال: في قول الله تعالى:"خذ العفو وأمر بالعرف ، وأعرض عن الجاهلين". الأعراف 199 .