الصفحة 67 من 106

أين نحن أيها السادة الكرام من فقه الأولين ؟ الذين أوجبوا للأخ في الله حقوقا ، منها العفو عن الزلة ، والتغاضي عند الهفوة ، وإحسان الظن به ، وستر عيوبه وإن ارتكب معصية سرًا أو علانية ، فلا تقطع مودته ، ولا تهمل أخوته ، قال أبو الدرداء -رضي الله عنه-:"إذا تغير أخوك ، وحال عما كان عليه ، فلا تدعه لأجل ذلك ، فإن أخاك يعوج مرة، ويستقيم أخرى".

ويرى الإمام الغزالي -رحمه الله- أننا إذا قطعنا صلتنا بأخينا خسرنا الفرصة في إعادته إلى الصراط السوي ، وأن علينا أن نقيل عثرته إذا عثر ، وأن ننظر إليه نظرة إشفاق ورثاء ، فنحن إن وصلناه أعناه على شيطانه ، وأتحنا له فرصة التخلص منه ، ومن الوفاء لأخيك أن تثبت على أخوته ، وتديم عهدها لأن قطعها محبط لأجرها.. وإن مات تنقل المودة إلى أولاده، ومن أولاده إلى أصدقائه ، محافظة على الأخوة ، ووفاء لصاحبها.

فأين نحن من هذا الوفاء الجميل، والفقه الجليل؟!

يوم علت الصغائر، وحكمت الأهواء.. وقطعت الأواصر، ونصبت العداوات ؟! فما أسرع ما ينسى الأخ أخاه ! وما أهون ما يتنكر لزمان الود والصفاء!!

وما أسرع ما يحل الجفاء ، وتتغير القلوب ، وتتبدل الأحوال .. لأتفه الأسباب .. وما أكثر التوافه منها!!

ورحم الله زمان الوفاء .. زمان الأحرار .. الذين يحفظون الاخوة ، ويحرصون على القربى .. ويراعون وداد اللحظة!!

إن كان لك صديق .. فشد يديك به !!

أوصى الإمام الشافعي -رحمه الله - يونس بن عبد الأعلى يومًا بقوله:"يا يونس، إذا بلغك عن صديق لك ما تكرهه، فإياك أن تبادره بالعداوة، وقطع الولاية فتكون ممن أزال يقينه بشك، ولكن القه، وقل له: بلغني عنك كذا وكذا، واحذر أن تسمي له المبلغ، فإن أنكر ذلك، فقل له: أنت أصدق وأبر، لا تزيدن على ذلك شيئًا، وإن اعترف بذلك، فرأيت له في ذلك وجهًا لعذر فاقبل منه، وإن لم تر ذلك، فقل له: ماذا أردت بما بلغني عنك؟!"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت