الصفحة 68 من 106

فإن ذكر ماله وجه من العذر فاقبل منه، وإن لم تر لذلك وجهًا لعذر، وضاق عليك المسلك، فحينئذ أثبتها عليه سيئة، ثم أنت في ذلك بالخيار: إن شئت كافأته بمثله من غير زيادة، وإن شئت عفوت عنه، والعفو أقرب للتقوى، وأبلغ في الكرم، لقول الله تعالى: » وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله« .

فإن نازعتك نفسك بالمكافأة فتفكر فيما سبق له لديك من الإحسان، فعدها، ثم ابدر له إحسانًا بهذه السيئة، ولا تبخسن باقي إحسانه السالف بهذه السيئة، فإن ذلك الظلم بعينه يا يونس ، إذا كان لك صديق فشد يديك به، فإن اتخاذ الصديق صعب، ومفارقته سهل"."

لعلك ، أخي في الله ، حين تقرأ هذه الوصية ، تدرك حقيقة الأخوة ، عند سلفنا الصالح ، ومكانتها العظيمة في نفوسهم ، وحرصهم البالغ في المحافظة عليها ، فأنت ترى في هذه الوصية الكريمة خطة رائعة ، يرسمها شيخ لتلميذه ، يعلمه فيها كيفية الحفاظ على الأخ ، عند المحكات ، وانتشار الشائعات ، وسعي الوشاة .

وتدرك أيضًا كم نظلم أنفسنا وإخواننا ، حين نصرم حبل الود ، ونقطع العلاقات، ونؤسس للعداوات ، بسبب كلمة نقلت ، الله أعلم بحقيقتها ، دون أن نكلف أنفسنا عناء التبين والتثبت ، فسرعان ما تنقلب المودة إلى بغضاء ، والحب إلى كراهية ، والصداقة إلى عداوة، والإحسان إلى إساءة .

لقد هانت على كثير منا صداقات أيام وسنين، حين تغيرها لحظات غضب وتعصب، ومنهج الكرام قبلنا، الذي قال الإمام فيه، حين تلفظ أحد الناس أمامه بكلمة انتقص فيها شأن أخ له:»مه لقد تلمظت بمضغة طالما لفظها الكرام«.. ومنهج الأحرار، عبر عنه أحدهم بقوله:"الحر من راعى وداد لحظة"، فإلى من تشكو لحظات الوداد، وساعات الوصل، وسنوات الصفاء، حين تصبح فريسة سهلة لسهام طائشة، وأفواه عفنة، وألسنة سليطة؟!

فأين الأحرار.. الذين يحفظون وداد لحظة ، وصحبة ساعة ؟!

أين الأحرار.. الذين يبقون على الأخ ، ويديمون وصله؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت